Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

البحث عن عمل يعبّر عن الذات: دراسة تربط المعاناة والمواهب بالمعنى المهني

دراسة حديثة تربط بين السمات الشخصية وتجربة المعنى في العمل، مع تحليل لدور التجارب الحياتية المبكرة والقدرات الطبيعية في تشكيل المسار المهني.

··قراءة 3 دقائق
البحث عن عمل يعبّر عن الذات: دراسة تربط المعاناة والمواهب بالمعنى المهني
مشاركة

أظهرت دراسة ميتا-تحليلية نُشرت عام ٢٠٢٥ وشملت ١٤٤ عينة مستقلة و٥٢ ألف شخص أن الشعور بالمعنى في العمل يرتبط ارتباطًا وثيقًا بسمات شخصية مثل الضمير والانفتاح والمبادرة والمرونة النفسية. وخلص البحث إلى أن المعنى في العمل لا يتحدد فقط بطبيعة الوظيفة، بل يتأثر بشكل جوهري بما يحمله الفرد من شخصية وقيم وقدرات وتجارب متراكمة.

التجارب الحياتية كعناصر تشكيلية للمسار المهني

يشير الباحث جاستن لويبكي إلى أن مساره المهني لم يتشكل عبر قرارات عابرة، بل عبر سلسلة من الأدوار التي سمحت له بتوسيع نقاط قوته، وفي الوقت نفسه تلبية احتياجاته من الاستقلالية والتأثير الواسع والقيادة. ويشير إلى أن تلك التجارب، عند جمعها، أنتجت نتيجة أكبر من مجموع أجزائها، وأن النقطة التي وصل إليها في نهاية المطاف كانت في الواقع الوجهة التي كان يتجه إليها منذ البداية.

ويروي لويبكي تجربة شخصية صعبة، إذ توفي والدته فجأة عندما كان في التاسعة من عمره، وتعرض لسوء معاملة نفسية وعاطفية من والده حتى تخرجه من المرحلة الثانوية، ثم أُعلن استقلاله دون سابق إنذار أو دعم مالي. ومع ذلك، تمكن من استعادة توازنه، وتخرج من الجامعة، وحقق نجاحًا كبيرًا في مسيرة قيادية رفيعة المستوى. لكنه لم يدرك تمامًا كيف شكلت تلك التجارب خبرته المهنية إلا بعد ٢٥ عامًا، أثناء كتابته كتابه الأول «القيادة من القلب»، حيث أدرك أن تلك الخبرات منحته المعرفة والحكمة اللازمة لتحدي الممارسات التقليدية في القيادة.

الموهبة والانسجام الوظيفي عند شخصيات بارزة

يُستشهد في النص بأمثلة لشخصيات مثل ستيف جوبز ودوللي بارتون وأنطوني بوردين، ليس لتأكيد فكرة التعيين السماوي، بل لتوضيح مدى الانسجام بين طبيعة الشخص وطبيعة عمله. فجوبز دمج التصميم مع التكنولوجيا ليجعل المنتجات المعقدة بديهية، وبارتون حوّلت معاناة طفولتها الفقيرة وموهبتها الاستثنائية في سرد القصص إلى أغاني خالدة، بينما غيّر بوردين طريقة تفكيرنا في الطعام والسفر والأشخاص الذين يطبخون وجباتنا عبر فضوله وجرأته على فهم الثقافات الأخرى.

ويوضح النص أن هذه الشخصيات لم تُولد «مُعدة مسبقًا» لأن تصبح ما أصبحت عليه، لكنها وُلدت بصفاتٍ معينة، شكّلت التجارب الحياتية منها مسارًا مهنيًا يتماشى بشكل غير عادي مع هويتها الداخلية.

الحكمة المهنية كعامل محوري في إيجاد المعنى

وفي دراسة أخرى شملت ٩٩٥ عاملًا أمريكيًّا، وُجد أن من يشعرون بدرجة أعلى من المعنى في أعمالهم يبلغون أيضًا مستويات أعلى من الرضا الوظيفي والرفاهية النفسية. كما أظهرت الدراسة أن من يتمتعون بما يُسمى «الحكمة المهنية» — أي القدرة على اتخاذ قرارات مدروسة في ظل الغموض، وقبول فكرة أن الخيار المهني الأمثل قد لا يكون موجودًا — هم أكثر عرضة لتجربة العمل كشيء ذي معنى.

وهذا يشير إلى أن المعنى في العمل ليس شيئًا نكتشفه جاهزًا، بل يمكن أن نصنعه أو ندركه عبر زيادة وعينا الذاتي، واتخاذ خيارات تقرّبنا من نوع المساهمة الذي يشعر كلٌّ منا بأنه مناسب له.

أسئلة توجيهية لفهم الانسجام المهني

بدلاً من التركيز على الأسئلة التقليدية مثل «ما الوظيفة التي تدفع أكثر؟» أو «ما الوظيفة التي تمنح أعلى مكانة اجتماعية؟»، يقترح النص تبني أسئلة أكثر عمقًا: ما نوع العمل الذي يستثير أفضل ما فيّ؟ وما اللحظات التي شعرتُ فيها بأقصى درجات الطاقة والانسياب؟ وما المهام التي تُشعر قلبي بالفرح؟

كما يدعو إلى تأمل التجارب السابقة: متى شعرتُ في العمل بأنني أكثر انسجامًا مع ذاتي؟ وما التحديات التي جذبتني باستمرار بدل أن تستنزفني؟ ومن يطلب مني المساعدة في أمور معينة حتى حين لا أسعى لإظهار تميّزي فيها؟ وأين تتداخل قدراتي واهتماماتي وقيمي وتجاربي؟

ويختتم النص بالإشارة إلى أننا ربما لم نولد ونحن نعرف بالضبط ما هو العمل الذي خُلقنا لأجله، لكننا وُلدنا حاملين بعض المكونات الأساسية، وتمنحنا الحياة تدريجيًّا ما تبقى منها.

المراجع العلمية المذكورة في النص هي: لو وآخرون (٢٠٢٥)، «من يعيش العمل كتجربة ذات معنى؟ تحليل ميتا-تحليلي للتفاوتات الفردية وذات المعنى في العمل»، المنشور في مجلة «الشخصية والاختلافات الفردية» على منصة ScienceDirect. وكذلك شو وآلان (٢٠٢٦)، «تسهيل العمل ذي المعنى: كيف ترتبط الحكمة المهنية بالرفاهية»، المنشور في مجلة «علم النفس الاستشاري» على منصة PsycNet.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة