Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

ارتباط الانفصال النفسي بالصدمات: دراسة تؤكد الجذور الصدمية سببًا جوهريًّا

تُظهر الدراسات أن 38 إلى 48% من مرضى اضطراب ما بعد الصدمة يُلبّون معايير النمط الانفصالي، فيما يشير الباحثون إلى أن الانفصال ليس عرَضًا مرضيًّا بحد ذاته بل استجابة وقائية نفسية للصدمة.

··قراءة 3 دقائق
ارتباط الانفصال النفسي بالصدمات: دراسة تؤكد الجذور الصدمية سببًا جوهريًّا
مشاركة

يُعد الانفصال النفسي ظاهرة شائعة تظهر عبر طيف واسع من الاضطرابات النفسية، وهي ليست حكرًا على تشخيص معين، بل تمتد من التجارب اليومية العابرة إلى الاضطرابات السريرية المُعَرَّفة مثل فقدان الواقع (dereality) وفقدان الذات (depersonalization) واضطراب الهوية الانفصالية. وتشير الدراسات إلى أن ما بين 2% و10% من الأشخاص يمرّون بتجارب انفصالية في وقت ما خلال حياتهم.

الارتباط الوثيق بين الصدمة والنمط الانفصالي من اضطراب ما بعد الصدمة

أما لدى المصابين باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، فإن هذه النسبة ترتفع بشكل ملحوظ، إذ يُقدَّر أن ما بين 38% و48% منهم يستوفون المعايير التشخيصية للنمط الانفصالي من هذا الاضطراب (PTSD-DS). ويُبرز هذا التداخل الكبير بين الاضطرابات المرتبطة بالصدمة والأعراض الانفصالية حقيقة جوهرية: فالانفصال في كثير من الحالات هو نتيجة مباشرة للصدمة، وليس مجرد عرض جانبي عرضي.

ويُشير الباحثان سوليانا بيراكي وروبرت تي. مولر، دكتوراه في علم النفس، إلى أن الفهم الدقيق لهذه العلاقة ليس مسألة أكاديمية فقط، بل يشكل ركيزة أساسية في مسار الشفاء. فالتعرف على الانفصال كاستجابة نفسية وقائية أمام أذى لا يُحتمل يُغيّر تمامًا منهجية العلاج، ويحول التركيز من تقييم الأعراض إلى معالجة الجذور.

سوء الفهم السريري والاجتماعي للاضطرابات الانفصالية

ورغم القاعدة العلمية المتزايدة، تظل الاضطرابات الانفصالية — ولا سيما تلك المرتبطة باضطرابات الذاكرة — عرضةً لسوء الفهم أو التشخيص الخاطئ، حيث تُخطَأ أحيانًا على أنها ذهان أو اضطراب الشخصية الحديّة. كما أن فكرة التصنع أو المبالغة في وصف التجارب الانفصالية لا تزال واسعة الانتشار، ما يعمّق العزلة التي يعيشها الأشخاص الذين يبلغون عن هذه الأعراض.

ويوضح عالم النفس السريري مارتن دوراهي، الباحث الرائد في مجال الانفصال بجامعة كانتربوري في نيوزيلندا، أن «الأشخاص الذين يعانون من الانفصال يميلون إلى إخفاء أعراضهم، ولا يُبلغون عنها طواعية كما قد يفعل شخصٌ مصابٌ بالاكتئاب حين يعبّر عن حالته المزاجية المنخفضة». ومن ثم، فإن التشخيص غالبًا ما يتأخر أو يُفوَّت أو يُعطى بشكل غير مناسب.

العلاج المستند إلى فهم الصدمة

وتستند البرامج العلاجية الفعّالة إلى هذا الإطار المفاهيمي. فعلى سبيل المثال، طوّرت عالمة النفس بيثاني براند، أستاذة علم النفس في جامعة توسون والباحثة الرائدة في اضطرابات الانفصال والصدمات، برنامجًا قائمًا على الأدلة يدعم الأفراد الذين يعانون من الانفصال والصدمات المعقدة. وقد استند هذا البرنامج إلى الأبحاث السريرية، والمعرفة العلاجية، وتغذية راجعة واسعة من أشخاص عاشوا تجارب صدمة معقدة وانفصال نفسي.

وتوضح براند أن «ناجين الصدمات ينتقلون إلى الحالات الانفصالية بسرعة أكبر بكثير»، مضيفةً أن «هذه الاستجابة تساعد في عدم الشعور بالألم العاطفي أو الجسدي الكامل للصدمة، لكنها مع الوقت قد تُضعف الأداء الوظيفي والوعي، ما يجعل الفرد عُرضةً لإعادة التعرض للأذى والعزلة العاطفية».

وفي مواجهة الضغط غير المحتمل أو الصدمة، قد يطوّر العقل آلية انفصالية للتعامل مع التهديدات المُفرطة، خصوصًا عندما يكون الهروب مستحيلاً. غير أن التركيز الحصري على الأعراض دون فهم أسبابها يُفقِدنا إمكانية التدخل المعني والفعال. فالصدمة ليست ملاحظة هامشية في سياق الانفصال، بل هي في كثير من الأحيان السبب الجذري. ولذلك، فإن التعرف على هذا الارتباط ليس ضروريًّا فقط لوضع خطط علاجية فعّالة، بل أيضًا لمعالجة الأسباب الكامنة بدلًا من توصيف مظاهرها كاضطرابات بحد ذاتها.

والشفاء لا يقتصر على الاعتراف بأن الانفصال استجابة نفسية وقائية أمام الأذى المفرط، بل يتطلب العمل النشط على إعادة بناء خيوط الاتصال التي تقطّعت بسبب الصدمة.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة