اخبار لبنان
لم تعكس صور ومشاهد الإعاشات والحصص الغذائية التي بثتها الأحزاب السياسية في لبنان خلال الأيام الماضية، رسالة الطمأنة والثقة التي أرادت إيصالها إلى الشعب اللبناني وجماهيرها خصوصا.

بل انعكست بوجهين مختلفين، أحدهما كان منتشراً بوضوح على مواقع التواصل الاجتماعي لاسيما لدى الجيل الشاب، بدا ساخرا مستهزئا بالاستعراض الحاصل، ، فيما الوجه الآخر حمله جيل أكبر كان خائفاً من رمزية "كراتين الإعاشات" التي خبرها في أحلك أيام الحروب والحصار والضائقة المعيشية والاقتصادية في تاريخ البلاد.
بدون استثناء، تنشط جميع الأحزاب السياسية في لبنان مؤخراً في عملية تحضير وتوزيع وتصوير الحصص الغذائية والمساعدات والإعاشات على جماهيرها ومناطق نفوذها تحت شعار "مساعدة الناس" في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية. وصل التصوير حد الفن، وبلغت الحملات الإعلامية التي تروج لـ "عطاءات" الأحزاب ذروتها بإنتاج فيديوهات سينمائية عالية الجودة توثق "مساعدتها" للناس، إلى حد دفع اللبنانيين للتساؤل ما إذا كانوا على شفير معركة انتخابية انطلقت قبل عام من موعدها.

كل حزب حسب إمكاناته وحجم انتشاره يعمل. وعلى التوقيت الطائفي للبلاد، نشطت الأحزاب المسيحية في فترات الصيام لدى الطوائف المسيحية وقبل عيد الفصح، فوزع التيار الوطني الحر في مناطق شعبيته كراتين إعاشات إضافة إلى مواد تنظيف وتعقيم، ومثله فعل حزب المردة والكتائب، والقوات اللبنانية التي تميزت بإصدار قسائم خبز وبنزين وزعتها على محازبيها وأنصارها، إضافة إلى إدارة منظومة دعم صحي للمواطنين في المناطق، كزحلة وبشري حيث سجل توزيع أدوية وتخفيض أسعار أدوية أخرى. كل ذلك وجد طريقه صوراً وإعلانات على مواقع التواصل الاجتماعي وتغطيات إخبارية لدى الوكالات.


في المقابل، ومع بلوغ اللبنانيين اعتاب شهر رمضان، ازداد زخم "المساعدات" لدى القوى الإسلامية في البلاد، أحزاب وجمعيات تابعة لها والمؤسسات الطائفية والدينية، تنشط جميعها في التسويق لمساعداتها وحملاتها، حتى تخطت كل حدود المتوقعة.
فبينما اقتصر نشاط كل من الحزب الاشتراكي وحركة أمل وتيار المستقبل وشخصيات مدينة طرابلس وصيدا والبقاع على توزيع "الإعاشات الكلاسيكية" من حصص غذائية ومعونات صحية وتربوية ومحروقات، قفز حزب الله عن الجميع بإمكاناته التي تفوق باقي الأحزاب اللبنانية ليعلن عن إطلاق منظومة رعاية وخدمات اجتماعية تتخطى ما عجزت الحكومة اللبنانية، التي يشارك فيها حزب الله، عن فعله لدعم المواطنين وأمنهم الغذائي والصحي بعد عامين على الأزمة.
قالها الامين لن نجوع بعد اليوم???????? pic.twitter.com/fmgmiwVHxf
— موسي بشير (@mousa30baheer86) April 6, 2021
نحن لن نجوع وانت سيدي معنا
وغيور علينا
نحن أخذنا الغذاء من قوتك من صدقك
نحن شبعنين كرامة وأخلاق
????????????#لن_نجوع pic.twitter.com/CcuMpj4Yim
فقد نشّط حزب الله مشروع "السَجَّاد" الذي يعمل عليه منذ بداية العام الماضي، وكان قد جربه بشكل محدود في عدد من المناطق صيف 2020، وأطلق في إطاره خلال الأيام الماضية عملية توزيع بطاقات دعم خاصة وافتتاح مراكز بيع مواد غذائية في مناطقه، إضافة إلى برنامج دعم صحي واجتماعي، إذ يقوم المشروع على توزيع بطاقات تؤمن لحامليها حسومات كبيرة على مشترياتهم الأساسية وموادهم الغذائية إضافة إلى الخدمات الصحية والتربوية ومشاريع تنموية وقد تشمل المحروقات في المرحلة المقبلة وغيرها من السلع الأساسية والخدمات التي ما عادت بمتناول اللبنانيين بتكلفتها الحالية المرتفعة.
"ليس الإعاشات فقط، حتى الخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية التي تقدمها الأحزاب، دائما ما كانت شكلاً من أشكال المظلة الاجتماعية و"التضامن الاجتماعي" الذي كان موجودا دائماً في لبنان، وشكل أداة بارزة من أدوات الاستزلام السياسي وتحصيل الولاء في لبنان ولاسيما في فترات الانتخابات،" بحسب مدير تحرير "المرصد العمالي" الصحفي أسعد سمور.
يؤكد سمور لموقع "الحرة" أن "هذا السلوك لدى الأحزاب لطالما كرس مبدأ أن في لبنان طوائف، وعلاقة الناس بالدولة تمر عبر الطائفة، حتى على صعيد التقديمات والخدمات، ما يدفع الناس للدفاع عن طوائفها لكونها مصدر هذه التقديمات لاسيما خلال الأزمات، وبالتالي ما نراه اليوم ليس حديثاً أو جديداً على المجتمع اللبناني.
لكن الغريب، بحسب سمور، هو تصوير هذا الأمر وكأنه انتصارات وإنجازات تحققها الأحزاب أمام جمهورها، ويظهر ذلك في الشعارات التي تطلقها كـ "لن نجوع" مثلاً للقول أن الحزب الفلاني أو الطائفة الفلانية أو الزعيم الفلاني لن يسمحوا للجوع بالوصول إلى جمهورهم، و"بالطبع كل ذلك استخفاف بعقول الناس، فهذه الأحزاب موجودة في السلطة من عشرات السنوات ولم تقدم أي انجاز أو مشروع يصب في سبيل الأمن الاجتماعي للناس، بل على العكس ضربوها وأوقفوا فعاليتها لكي يفعّلوا نظام الرشى الخاص بهم وشراء الأصوات والولاءات من خلال التقديمات".
وفي ظل انعدام الإنجازات "والانتصارات" لدى جميع الأحزاب، تسعى وفق سمور، إلى تصوير كرتونة الإعاشة وغالون الزيت كانتصار يؤكد على أن هذه الأحزاب ملتزمة بطوائفها. ولكي يصلوا إلى هذا المستوى من الترويج فإن ذلك يعبر عن مدى انفصال القواعد الشعبية عن هذه الأحزاب، فيما هم في الواقع يحاولون وضح مستحضرات تجميل على جثة ميت.
مشاهد الإعاشات وتوزيع الأطعمة والخبز أعادت إلى أذهان اللبنانيين كابوساً تاريخياً عاشوه خلال الثمانينيات من القرن الماضي، تحديدا خلال الحرب الأهلية (1986 إلى 1992)، فكانت مشهدية مخيفة أكثر مما كانت مطمئنة، بحسب ما يشدد الناشط في مجموعة "عامّية 17 تشرين" شادي حنوش، "الناس عادت للتفكير بالشمعة و"اللوكس" للإضاءة البدائية في المنازل، هذه المشاهد لا تريدها الناس وفي الوقت نفسه الأفق مسدود، الناس تريد استعادة أموالها لتصرف منها كما تريد وكما خططت".
"الأحزاب اللبنانية اليوم تقرأ من كتاب عمره 40 عاماً،" بحسب حنوش، "كان يمكن أن تصح هذه المراهنات على المساعدات والإعاشات من قبل، في زمن الحرب وقبل التكنولوجيا والإنترنت ووسائل التواصل والاتصال، لكن اليوم الشعب اللبناني انفتح على العالم وشاهد ما فيه وعاش جزءا كبيرا منه، وبالتالي إعادته إلى الوراء وإلى زمن كرتونة الإعاشة وحصة غذائية، يمثل اذلالا للناس وليس مساعدة لهم".
منطق الإعاشة ليس نموذجاً فعالاً، وإنما هو من أكثر أشكال الدعم بدائية ورأينا فشله عبر التاريخ، يقول سمور، "في العام 1919 في ظل المجاعة التي أصابت لبنان، قامت السلطنة العثمانية باعتماد نظام الإعاشة وفشل حينها في حل الأزمة او حتى وقف المجاعة، اليوم وفي ظل أزمة اقتصادية بهذا الحجم تشبه استحقاق المجاعة باعتراف منظمة الغذاء العالمية، لا يأتي الحل بالإعاشات".
بدوره يستذكر حنوش "حتى في الثمانينيات حين كان البلد مفلسا بسبب الحرب، اندفعت الأحزاب نحو تقديم الخدمات الاجتماعية ونظام الإعاشات والحصص الغذائية لتحل بديلا عن الدولة، لكنها فشلت في ذلك حينها ولم تكمل، رغم الدعم الخارجي الهائل الذي كان يصب حينها في لبنان ولجميع الأطراف لم تكن تكفي حاجة البلد. تستطيع أن تطعم الناس يوما و٢ و٣ ولكن هل تستطيع العيش أشهر وسنوات على كيس الأرز والمربى والمعكرونة والزيت؟".
الحرة
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان