Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

صحّة

المرونة العصبية: كيف يُعيد الدماغ تشكيل نفسه استجابةً للتجارب

المرونة العصبية هي قدرة الدماغ على التكيف والتغيير عبر تشكيل وصلات عصبية جديدة وتقوية أو إزالة أخرى، مما يدعم التعلم والتعافي.

··قراءة 5 دقائق
المرونة العصبية: كيف يُعيد الدماغ تشكيل نفسه استجابةً للتجارب
مشاركة

تُعرف المرونة العصبية، أو مرونة الدماغ، بأنها قدرة الدماغ على التغير نتيجة للتجارب التي يمر بها الفرد. تشمل هذه القدرة تشكيل وصلات عصبية جديدة، وتعزيز الوصلات القائمة، وإزالة الوصلات غير المستخدمة، مما يسمح للدماغ بالتكيف مع التعلم أو التعافي من الإصابات.

تُعد المرونة العصبية عملية مستمرة طوال حياة الإنسان، حيث تسمح للدماغ بإعادة تنظيم نفسه بناءً على الخبرات، وتُساهم في نمو خلايا عصبية جديدة في مناطق محددة من الدماغ.

تُشير المرونة العصبية إلى قدرة الدماغ على التغيير وإعادة التنظيم أو نمو الشبكات العصبية، سواء من خلال تغييرات وظيفية نتيجة لإصابة دماغية أو تغييرات هيكلية ناجمة عن التعلم.

مصطلح "المرونة" يشير إلى قابلية الدماغ للتغيير، وليس إلى أن الدماغ مادة بلاستيكية، أما "العصب" فيشير إلى الخلايا العصبية التي تشكل الوحدة الأساسية للدماغ والجهاز العصبي، والتي يمكنها التكيف والتغير.

تشمل عمليات المرونة العصبية إنشاء مسارات عصبية جديدة، وتعزيز المسارات الحالية، وإزالة المسارات التي لم تعد ضرورية.

في السنوات الأولى من الحياة، ينمو دماغ الأطفال بسرعة، حيث يمتلك كل عصبون في القشرة الدماغية عند الولادة نحو 2500 مشبك عصبي، وهي الفجوات التي تنتقل عبرها الإشارات العصبية بين الخلايا. ويصل هذا العدد إلى حوالي 15000 مشبك لكل عصبون عند بلوغ الطفل ثلاث سنوات، ويتأثر هذا النمو بشكل كبير بالتعلم والتجارب الجديدة.

مع التقدم في العمر، ينخفض عدد المشابك العصبية إلى نحو نصف ما هو موجود عند الأطفال الصغار، نتيجة لعملية تُعرف بالتقليم المشبكي، حيث يتم تعزيز بعض الوصلات العصبية وإزالة أخرى غير مستخدمة.

تتقوى الوصلات العصبية التي تُستخدم بشكل متكرر، بينما تختفي تلك التي تُستخدم نادراً، مما يسمح للدماغ بالتكيف مع التغيرات البيئية.

في حالات الإصابة الدماغية، قد تتولى مناطق أخرى من الدماغ المهام التي كانت تتحكم بها المناطق المتضررة.

تحدث عملية توليد خلايا عصبية جديدة، أو التكوين العصبي، في بعض الحالات، وهي أكثر شيوعاً في مرحلة الطفولة المبكرة، لكنها قد تستمر أيضاً في مرحلة البلوغ.

تؤثر عدة عوامل على المرونة العصبية، منها:

الخبرة: تحفز البيئات الغنية بالفرص للتركيز والتجديد والتحدي تغييرات إيجابية في الدماغ، وتظل هذه البيئات مفيدة لصحة الدماغ طوال مرحلة البلوغ.

النوم: يلعب النوم دوراً في نمو التشعبات العصبية في الدماغ، مما يعزز المرونة العصبية، كما يؤثر على الصحة الجسدية والنفسية، ويرتبط ذلك جزئياً بالعوامل الوراثية وتركيب المادة الرمادية في الدماغ.

التمارين الرياضية: النشاط البدني المنتظم قد يمنع فقدان الخلايا العصبية ويشجع على تكوين خلايا جديدة في منطقة الحُصين، التي تلعب دوراً في الذاكرة ووظائف أخرى. كما يؤثر التمرين على عوامل نمو الأعصاب والاتصال الوظيفي والعقد القاعدية المسؤولة عن التحكم الحركي والتعلم.

الإصابات: يمكن للدماغ في بعض الأحيان إعادة توصيل نفسه بعد الإصابة، لكن بعض الأضرار قد تكون دائمة. وقد تكون المرونة العصبية ضارة في حالات التغيرات السلبية الناجمة عن تعاطي المواد أو الأمراض أو الصدمات النفسية، مثل التسمم بالرصاص الذي يؤثر سلباً على المرونة العصبية.

الحالات الطبية: بعض الأمراض العصبية عند الأطفال، مثل الصرع، والشلل الدماغي، والتصلب الحدبي، ومتلازمة X الهشة، قد تحد من قدرة الدماغ على التكيف.

يتألف الدماغ البشري من حوالي 100 مليار خلية عصبية. كان يُعتقد سابقاً أن التكوين العصبي يتوقف بعد الولادة مباشرة، لكن اليوم يُدرك أن الدماغ قادر على إعادة تنظيم المسارات العصبية وتشكيل وصلات جديدة وحتى توليد خلايا عصبية جديدة في بعض الحالات.

تنقسم المرونة العصبية إلى نوعين رئيسيين:

المرونة الوظيفية: قدرة الدماغ على نقل الوظائف من منطقة متضررة إلى مناطق أخرى سليمة.

المرونة الهيكلية: قدرة الدماغ على تغيير هيكله المادي نتيجة للتعلم.

تُسهم المرونة العصبية في تسهيل التعلم وتحسين الوظائف الدماغية، كما تساعد في التعافي من السكتات الدماغية والإصابات الدماغية الرضحية، وتقوية المناطق التي فقدت وظائفها أو تراجعت، وتحسين اللياقة الدماغية.

وجدت الدراسات أن الأطفال المكفوفين يظهرون زيادة في الاتصال العصبي وإعادة تنظيم الدوائر العصبية مقارنة بالأطفال الذين لا يعانون من هذه الحالة، مما يدل على قدرة الدماغ على التكيف مع فقدان حاسة البصر من خلال تعزيز استخدام الحواس الأخرى مثل السمع واللمس.

تتأثر المرونة العصبية بالعمر والبيئة، حيث يكون الدماغ أكثر قابلية للتغير خلال السنوات الأولى من الحياة، لكنه يظل قادراً على التكيف في مراحل البلوغ. كما تلعب العوامل الوراثية دوراً في تشكيل هذه القدرة من خلال التفاعل مع البيئة.

تستمر عملية المرونة العصبية طوال الحياة، وتشمل خلايا الدماغ الأخرى مثل الخلايا الدبقية والوعائية، وتتأثر بالتعلم والتجارب وتكوين الذكريات أو بالأضرار الدماغية.

على الرغم من الاعتقاد السابق بأن الدماغ يصبح ثابتاً بعد سن معينة، أظهرت الأبحاث الحديثة أن الدماغ لا يتوقف عن التغير استجابة للتعلم.

في حالات الإصابة مثل السكتة الدماغية، قد تتضرر مناطق معينة من الدماغ، لكن الأجزاء السليمة قد تتولى الوظائف المتأثرة، مما يسمح باستعادة القدرات.

مع ذلك، لا يمكن للدماغ أن يعوض بالكامل عن الأضرار في بعض المناطق الحيوية المسؤولة عن الحركة واللغة والكلام والإدراك، حيث قد تظل بعض العجز قائماً رغم التعافي الجزئي.

لتحفيز المرونة العصبية، يُنصح بتجربة تعلم لغات جديدة، أو تعلم العزف على آلة موسيقية، أو السفر واستكشاف أماكن جديدة، وممارسة الفنون والأنشطة الإبداعية، والقراءة.

الحصول على نوم كافٍ ومنتظم من خلال اتباع عادات نوم صحية يعزز نمو التشعبات العصبية.

اللعب بأنواع مختلفة من الألعاب، كألعاب الطاولة أو الورق أو الفيديو، يُحسن من مرونة الدماغ.

التمارين الرياضية المنتظمة، مثل المشي أو الرقص أو السباحة أو ركوب الدراجة، بالإضافة إلى تمارين القوة، تساهم في تعزيز صحة الدماغ.

ممارسة اليقظة الذهنية، التي تعني التركيز على اللحظة الحالية دون الانشغال بالماضي أو المستقبل، تساعد في تنمية المرونة العصبية.

تطورت النظريات حول عمل الدماغ عبر الزمن، حيث كان يُعتقد سابقاً أن الدماغ ثابت ولا يتغير بعد مرحلة الطفولة، لكن الأبحاث الحديثة أثبتت عكس ذلك.

حتى الستينيات، كان الاعتقاد سائداً بأن التغيرات الدماغية تقتصر على الطفولة، وأن البنية الدماغية تصبح دائمة في سن الرشد المبكر.

في كتابه الصادر عام 2007 "الدماغ الذي يغير نفسه"، أشار الطبيب النفسي نورمان دويدج إلى أن هذا الاعتقاد نشأ من ثلاثة أسباب رئيسية: الاعتقاد القديم بأن الدماغ يشبه آلة مذهلة لكنها غير قابلة للنمو، وعدم القدرة على مراقبة النشاط المجهري للدماغ، وملاحظة أن الأشخاص الذين تعرضوا لأضرار دماغية شديدة غالباً ما لا يتعافون.

في عام 1890، اقترح عالم النفس ويليام جيمس أن الدماغ قد لا يكون جامداً كما كان يُعتقد، وذكر في كتابه "مبادئ علم النفس" أن الأنسجة العصبية تبدو ذات درجة عالية من المرونة، لكن هذه الفكرة لم تحظَ باهتمام كبير آنذاك.

في عشرينيات القرن العشرين، وجد الباحث كارل لاشلي أدلة على تغيرات في المسارات العصبية لدى قرود الريسوس، وبحلول الستينيات، بدأ الباحثون في دراسة حالات تعافي كبار السن من السكتات الدماغية الكبيرة، مما أكد أن الدماغ أكثر قابلية للتكيف مما كان يُعتقد.

تُظهر الأبحاث الحديثة أن الدماغ يستمر في إنشاء مسارات عصبية جديدة وتعديل المسارات القائمة للتكيف مع الخبرات الجديدة وتعلم معلومات جديدة وتكوين ذكريات.

وبفضل التقدم التكنولوجي، أصبح بالإمكان مراقبة نشاط الدماغ بشكل غير مسبوق، مما أظهر أن القدرات الذهنية ليست محدودة بالوراثة فقط، وأن الدماغ المتضرر قادر على تغييرات ملحوظة.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة