Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

صحّة

المرض الصامت يهدد ملايين البشر دون أن يشعروا!

مرحلة ما قبل السكري تمثل حالة صامتة تؤثر على ملايين الأشخاص قبل ظهور أعراض واضحة، مع أهمية الكشف المبكر وتعديل نمط الحياة للوقاية.

··قراءة 5 دقائق
المرض الصامت يهدد ملايين البشر دون أن يشعروا!
مشاركة

يُقدّر عدد الأشخاص الذين يعيشون حالة ما قبل السكري، تلك المرحلة التي تسبق الإصابة بداء السكري من النوع الثاني، بملايين حول العالم، دون أن يشعروا بأي علامات واضحة على وجودها. هذه الحالة الصامتة تنشأ تدريجياً على مدى سنوات، حيث يفقد البنكرياس تدريجياً قدرته على إفراز الإنسولين بشكل فعّال، بينما تبدأ خلايا الجسم بفقدان حساسيتها تجاهه.

تختلف طبيعة داء السكري من النوع الأول، إذ ينجم عن هجوم مناعي مباشر على خلايا بيتا المنتجة للإنسولين، مما يؤدي إلى ظهور المرض بسرعة دون مرحلة تحذيرية مشابهة لما قبل السكري.

تتواجد داخل البنكرياس جزر صغيرة تعمل كغرف تحكم دقيقة لتنظيم مستوى السكر في الدم. فعندما يرتفع السكر، تفرز خلايا بيتا الإنسولين ليسمح بدخول الغلوكوز إلى الخلايا، وعندما ينخفض، تفرز خلايا ألفا هرمون الغلوكاغون لتحرير مخزون الكبد من الغلوكوز. هذه العمليات تتم بشكل سريع ودون وعي، للحفاظ على توازن مستوى السكر ضمن نطاق ضيق.

تتضمن استجابة خلايا بيتا مرحلتين؛ الأولى سريعة حيث تُفرز كمية من الإنسولين المخزن فور تناول الطعام لامتصاص الارتفاع المفاجئ في السكر، تليها مرحلة أبطأ يتم فيها تصنيع الإنسولين حسب الحاجة. وتُعد المرحلة الأولى الأكثر تأثراً عند بداية الخلل في وظيفة هذه الخلايا، قبل ظهور أي تغيرات واضحة في مستوى السكر.

على الرغم من أن البنكرياس يبذل جهداً كبيراً لتعويض الخلل في هذه المرحلة، يبقى مستوى السكر قريباً من الطبيعي، ما يجعل الأعراض غير ملحوظة، ولهذا يُطلق على السكري لقب "المرض الصامت" ومرحلة ما قبل السكري "الصمت الذي يسبق المرض".

رغم غياب الأعراض، تبدأ بعض الأوعية الدموية بالتأثر، ويرتفع خطر الإصابة بأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وتشحم الكبد واضطرابات الدهون في الدم.

يُعد مؤشر HOMA-IR أداة مهمة لتقييم مقاومة الإنسولين ووظيفة خلايا بيتا، ويُحسب من خلال تحليل سكر الدم الصائم والإنسولين الصائم. ارتفاع هذا المؤشر يدل على أن الجسم يحتاج إلى كميات أكبر من الإنسولين للحفاظ على مستوى السكر الطبيعي، مما يشير إلى بداية فقدان الحساسية للإنسولين.

تم تطوير هذا المؤشر عام 1985 في جامعة أكسفورد، ويُستخدم كبديل عملي للاختبارات المعقدة في الأبحاث. ومع ذلك، لا توجد قيمة محددة عالمياً لتحديد مقاومة الإنسولين، إذ تختلف الحدود حسب الدراسات والتجمعات السكانية، ويُفسر المؤشر ضمن سياق عوامل أخرى مثل التاريخ المرضي ومحيط الخصر ومؤشر كتلة الجسم ومستوى الدهون.

تعتمد جمعية السكري الأمريكية على ثلاثة تحاليل رئيسية لتشخيص مرحلة ما قبل السكري: سكر الدم الصائم بين 100 و125 ملغ/دل، والسكري عند 126 ملغ/دل أو أكثر في اختبارين منفصلين، والسكري التراكمي (HbA1c) بين 5.7% و6.4%، مع تشخيص السكري عند 6.5% أو أكثر. كما يُستخدم اختبار تحمل الغلوكوز الفموي بقياس مستوى السكر بعد ساعتين من تناول 75 غراماً من الغلوكوز، حيث تتراوح مرحلة ما قبل السكري بين 140 و199 ملغ/دل.

تُستخدم مؤشرات جسدية أخرى لتقدير الخطر، مثل محيط الخصر الذي يحدد الاتحاد الدولي للسكري حد الخطورة عند 94 سم للرجال و80 سم للنساء في التجمعات الأوروبية والشرق أوسطية والعربية، بينما تختلف المعايير الأمريكية والآسيوية. ويُعتبر مؤشر كتلة الجسم 25 كغ/م² فأكثر زيادة في الوزن، و30 كغ/م² فأكثر سمنة، مع ارتفاع خطر الإصابة بالسكري عند هذه القيم.

يُعد ضغط الدم 130/85 مم زئبق فأكثر من عوامل الخطورة ضمن معايير المتلازمة الاستقلابية، إلى جانب ارتفاع الدهون الثلاثية وانخفاض الكوليسترول الحميد (HDL) عن الحدود المحددة للرجال والنساء.

تتضافر عوامل عدة لزيادة خطر الإصابة بمقدمات السكري، أبرزها السمنة خاصة البطنية، والتاريخ العائلي للإصابة، وقلة النشاط البدني، والتقدم في العمر. لدى النساء، يرتفع الخطر مع وجود تاريخ سكري الحمل أو متلازمة تكيّس المبايض، وهما مرتبطان بمقاومة الإنسولين.

تتوافق التوصيات الغذائية لمرحلة ما قبل السكري مع تلك الخاصة بمرضى السكري، حيث توصي جمعية السكري الأمريكية لعام 2026 بنمط غذائي متكامل يشمل الخضروات غير النشوية، والبقوليات، والحبوب الكاملة، والفواكه الكاملة، والمكسرات والبذور، لما لها من دور في إبطاء امتصاص السكر وتحسين التحكم فيه.

كما يُنصح بإدخال البروتينات الخفيفة مثل السمك والدجاج والبقوليات ومنتجات الألبان قليلة الدسم وزيت الزيتون ضمن النظام الغذائي اليومي، لما لها من تأثير في زيادة الشبع وتقليل ارتفاع سكر الدم بعد الوجبات، خاصة عند استبدالها بالكربوهيدرات المكررة.

ينصح بتقليل استهلاك السكريات المضافة، والمشروبات المحلاة، والحبوب المكررة، واللحوم الحمراء، والأطعمة المصنعة، حيث ترتبط هذه الأطعمة بارتفاع سريع في سكر الدم وضعف التحكم فيه.

تلعب الساعة البيولوجية دوراً في حساسية الخلايا للإنسولين، إذ تتغير على مدار اليوم وفق إيقاع داخلي يتحكم به الدماغ وساعات فرعية في الكبد والبنكرياس والعضلات. اضطراب هذا الإيقاع، كما في العمل الليلي أو تناول الطعام في أوقات متأخرة، يؤثر سلباً على حساسية الإنسولين وتوازن الهرمونات المسؤولة عن التمثيل الغذائي للسكر.

تُظهر الدراسات أن توقيت الأكل والحركة والنوم لا يقل أهمية عن نوعية الطعام وكميته. من أنماط الصيام المتقطع الشائعة: 12/12، 14/10، 16/8، 18/6، ونمط 5:2. تشير المراجعات العلمية إلى أن الصيام المتقطع قد يحسن حساسية الإنسولين ويساعد في خفض الوزن وسكر الدم، مع نتائج مشابهة للتقييد اليومي المعتاد للسعرات.

يُعتقد أن جزءاً من فوائد الصيام المتقطع يعود إلى تركيز الأكل في ساعات النهار المبكرة حيث تكون حساسية الإنسولين في ذروتها، وليس الصيام بحد ذاته فقط. ومع ذلك، لا تزال الأدلة على تفوقه على الأنظمة الغذائية الصحية المتوازنة محدودة، ويُفضل استشارة الطبيب قبل البدء به، خاصة عند وجود أمراض مزمنة.

توصي الإرشادات بممارسة 150 دقيقة أسبوعياً من النشاط البدني متوسط الشدة، مع تمارين لتقوية العضلات مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعياً. تلعب العضلات دوراً محورياً في استخدام الغلوكوز، فهي أكبر مستهلك له وتُعد خط الدفاع الأول ضد مقاومة الإنسولين.

يزيد نقص النوم من هرمون الغريلين المسؤول عن تحفيز الشهية، ويخفض هرمون الليبتين المسؤول عن الشعور بالشبع، مما يؤدي إلى زيادة الرغبة في تناول السكريات. كما يرتبط قصر مدة النوم بأكثر من 30% زيادة في خطر الإصابة بالسكري من النوع الثاني.

يرتفع مستوى هرمون الكورتيزول بفعل التوتر المزمن وقلة النوم، مما يحفز الكبد على إنتاج المزيد من السكر.

يبقى تعديل نمط الحياة هو الأساس في علاج مرحلة ما قبل السكري، إذ يتفوق غالباً على أي دواء منفرد في الفعالية. مع ذلك، توصي جمعية السكري الأمريكية لعام 2026 بالنظر في العلاج الدوائي لفئات عالية الخطورة، مثل من تتراوح أعمارهم بين 25 و59 سنة ويعانون من سمنة مفرطة، أو من لديهم ارتفاع واضح في سكر الدم رغم الالتزام بنمط حياة صحي، والنساء ذوات تاريخ سكري الحمل.

تشمل عوامل الخطورة الأخرى ارتفاع ضغط الدم واضطراب الدهون والتاريخ العائلي القوي للإصابة بالسكري. في هذه الحالات، يُعد دواء الميتفورمين الخيار الدوائي الأكثر توثيقاً من حيث الفعالية والأمان للوقاية من تطور المرض، مع استمرار أهمية تعديل نمط الحياة.

يمكن تقييم مدى التحسن والعودة إلى المعدلات الطبيعية من خلال إعادة تحليل السكر التراكمي وسكر الدم الصائم، بالإضافة إلى مراقبة الوزن ومحيط الخصر وضغط الدم.

أظهرت دراسة برنامج الوقاية من السكري (DPP) أن فقدان جزء بسيط من الوزن مع ممارسة النشاط البدني المنتظم يقلل بشكل ملحوظ من خطر تطور السكري، وتستمر هذه الفائدة لسنوات. كما وجدت دراسات أحدث أن كثيرين يعود لديهم مستوى السكر إلى المعدلات الطبيعية بالكامل.

تُعد مرحلة ما قبل السكري حالة قابلة للانعكاس عند الالتزام بالتغييرات المطلوبة، وهي رسالة هادئة يرسلها الجسم قبل أن يتطور المرض. القرار في هذه المرحلة يبقى بيد الشخص نفسه.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة