ثقافة ومجتمع
كشفت أبحاث حديثة في مؤتمرات جمعية دراسة السيكوباتيا العلمية أن الأشخاص ذوي السمات السيكوباتية يمتلكون القدرة المعرفية على التمييز بين الصواب والخطأ، لكنهم يفتقرون تمامًا إلى المشاعر الأخلاقية مثل الذنب والندم.

أظهرت دراسات متعددة أُجريت في إطار اجتماعات جمعية دراسة السيكوباتيا العلمية (SSSP) أن الأفراد ذوي السمات السيكوباتية يدركون المبادئ الأخلاقية على المستوى النفسي والبيولوجي، لكنهم لا يشعرون بأي انزعاج أخلاقي عند انتهاكها. ووفقًا لنتائج عرضها البروفيسور كريغ نيومان، أستاذ الجامعات في جامعة شمال تكساس، فإن هؤلاء الأشخاص «يعرفون، على المستويين النفسي والعصبي، ما هو أخلاقي وما هو غير أخلاقي، لكنهم لا يهتمون به».
في مؤتمر جمعية دراسة السيكوباتيا العلمية عام ٢٠٢٦ الذي عُقد في دالاس بتكساس، قدّم البروفيسور نيومان نتائج مبنية على تقييمات أُجريت على مراهقين وراشدين مرتبطين بالنظام القضائي، رُوعيت في تقييمهم قدرتهم على التعرّف على المبادئ الأخلاقية الأساسية المتعلقة بالضرر والعدالة تجاه الآخرين. ودعمت هذه النتائج صور تصوير عصبي تم إجراؤها على المراهقين أثناء مشاهدتهم لمشاهد تجاوزات أخلاقية. وخلص البروفيسور نيومان إلى أن «الشخص ذا السمات السيكوباتية قادر على التعرّف على التجاوزات الأخلاقية — أي التمييز بين الصواب والخطأ — لكنه لا يبلغ عن أي مشاعر أخلاقية، بل ولا يشعر بأدنى ندم تجاه تلك التجاوزات، مثل الإضرار بشخص آخر».
وأشار البروفيسور نيومان إلى أن هذا النقص في الاستجابة العاطفية الأخلاقية يجعل الشخص السيكوباتي «خطيرًا للغاية»، لأن «إدراكه الكامل لإمكانية إلحاق الضرر بشخص آخر لا يترافق مع أي كوابح أخلاقية تمنعه من المضي قدمًا في ذلك الضرر». ووصف هذا النقص بأنه «غياب الكوابح الأخلاقية»، موضحًا أن الشخص السيكوباتي «مستعد تمامًا لاستمرار إلحاق الأذى بالآخرين».
وفي اجتماع الجمعية السادس كل سنتين عام ٢٠١٥، قدّمت لوساي فولكس، وهي حاليًا طبيبة نفسية في جامعة أكسفورد، نتائج كشفت عن سلوك اجتماعي غير نمطي لدى الأشخاص ذوي السمات السيكوباتية، يعكس «تجاهلًا جوهريًا لحقوق الآخرين ومشاعرهم». ونوّهت فولكس إلى أن «الأفراد ذوي المستويات العالية من السمات السيكوباتية أكثر عرضة لأن يستمتعوا بالإيذاء، ولا يستمتعوا باللطف».
وأشار الدكتور روبرت د. هير إلى أن بعض النظريات التحليلية النفسية تصف السيكوباتي باعتبار سلوكه المعادي للمجتمع «متوافقًا مع الأنا» — أي أنه جزء لا يتجزأ من شخصيته، ولا يقترن بقلق أخلاقي أو قلق أو شعور بالذنب، وبالتالي لا يسبب له أي اضطراب شخصي. ويعني ذلك وجود اضطراب في الضمير لا يترافق مع ظهور مشاعر أخلاقية مثل الخجل أو الذنب، رغم وجود فهم نظري للتمييز بين الصواب والخطأ.
وفي سياق تجارب شخصية داخل البيئة الأسرية، أفاد كاتب المقال بأنه عاش مع أم وأخت أظهرتا مستويات عالية من السمات السيكوباتية. وذكر أن أمه كانت تُقدّم نصائح دقيقة ومليئة بالتفهم لأشخاص آخرين يواجهون صعوبات في علاقاتهم الأسرية، وتُرشدهم نحو «الشيء الصحيح» الذي يجب فعله لإصلاح العلاقة. ومع ذلك، لم تطبّق هذه المبادئ في سلوكها داخل المنزل، حيث كانت تخلق عمداً «الفوضى والجدل والأكاذيب والمشاعر السلبية».
وأضاف أن أمه، التي كانت سريعة في إسداء النصائح حول «ما يجب فعله»، رفضت زيارة حفيدها حديث الولادة في المستشفى، وبررت قرارها بسرد سلسلة من القصص الملفّقة وأسباب معقّدة. ورغم أن الطفل وُلد بوزن منخفض ما استدعى قلقًا كبيرًا على سلامته، فإن الكاتب لاحظ أن أمه كانت توجّه أشد ضرباتها في اللحظات التي يكون فيها أكثر هشاشة. وعندما زارت أمه المستشفى بعد اتصال من حماته، كان رد فعلها عند رؤية بكائه خوفًا على سلامة الطفل هو «ابتسامة خفيفة على وجهها وانبهار في عينيها»، وهو ما يتماشى مع ما ذكرته الدكتورة فولكس حول استمتاع السيكوباتي بالإيذاء لا باللطف.
وأوضح البروفيسور نيومان أن السبب في لجوء السيكوباتي إلى التمويه هو أن «قدرته على التعرّف على التجاوزات الأخلاقية، وعلمه بأن الآخرين يمتلكون هذه القدرة أيضًا، يعني أن غياب الضمير لديه — أي غياب الشعور بالذنب — يجب أن يُخفى، وإلا فإنه سيُطرد من المجموعات الاجتماعية باعتباره شخصًا لا يمكن الوثوق به أبدًا».
وأشار الكاتب إلى أن أخته استخدمت أسماء مستعارة لتغطية أفعالها الخاطئة، متضمّنة تغيير أسمائها الزوجية وخلط الحروف والاختصارات، وتغيير تاريخ ميلادها لتبدو أصغر بسنة واحدة، وتغيير رقم الضمان الاجتماعي الخاص بها. كما كانت قصصها الملفّقة لا تنفد، وتختلف باختلاف الشخص الذي كانت تستهدفه، وكانت غايتها دائمًا «الدمار»، وطاقتها «لا تعرف الكلل».
وأشار الكاتب إلى أن معلّمه الديني في المرحلة الابتدائية علّمه أن الضمير «دليلٌ يدفع الإنسان لفعل الخير ويُبقيه على الطريق المستقيم»، لكن العقل المنطقي قد يتداخل ويُشوّه هذا الدليل. ونقل عن الدكتور هير في كتابه «بدون ضمير» قوله إن «السيكوباتيين، على عكس المصابين بالذهان، عقلانيون وواعون تمامًا بما يفعلونه ولماذا يفعلونه، وأن سلوكهم ناتج عن خياراتٍ مُمارسة بحرية».