ثقافة ومجتمع
اكتشاف الهالوبيريدول من أعراض سُمّ الأمفيتامين لدى درّاجي السباقات
بدأ اكتشاف عقار الهالوبيريدول في خمسينيات القرن العشرين بعد ملاحظة أعراض تشبه الفصام عند درّاجين استخدموا الأمفيتامين، بينما نشأ فلوكسيتين لاحقًا من تصميم جزيئي منهجي يستند إلى فرضية كيميائية حيوية.

في أواخر الخمسينيات من القرن العشرين، أدى مراقبة سلوك درّاجين محترفين استخدموا مواد معزِّزة للأداء إلى اكتشاف علاج رئيسي للفصام. فقد لاحظ الطبيب البلجيكي والصيدلي بول يانسن (1926–2003) أن الأعراض السمية الناتجة عن تعاطي الأمفيتامين — ومنها الهلوسة السمعية و(delusions of persecution) أو أوهام الاضطهاد واضطرابات التفكير والسلوكيات النمطية — تشابه الصورة السريرية للفصام البارانويدي. وكانت هذه الملاحظة ليست جديدة تمامًا، إذ ظهرت أول مرة عام 1938، ثم تكررت في أوائل الخمسينيات عندما ظهر عددٌ من المرضى في أقسام الطوارئ بمستشفيات لندن بأعراض مشابهة، وتم تشخيصها لاحقًا باسم «ذهان الأمفيتامين» على يد الطالب الطبي بي. إتش. كونيل عام 1953.
من مختبر تورنهوت إلى تسويق «هالدول»
بينما ركّز كونيل على تنبيه الأطباء إلى هذه الظاهرة، أعطى يانسن للملاحظة منحىً بحثيًّا جديدًا. وكان قد أسس مؤخرًا مختبر بحثيًّا في بلدة تورنهوت البلجيكية، وكان يبحث عن مركبات دوائية جديدة. فخطرت له فكرة أن يكون للعقاقير التي تمنع تأثيرات الأمفيتامين استخدام علاجي في الفصام، دون أن يستند ذلك إلى نظرية كيميائية حيوية محددة. واستند في بحثه إلى نماذج حيوانية تمثل تأثيرات الأمفيتامين، مثل الاستثارة السلوكية والسلوكيات النمطية. واعتمد في بداية مشروعه على مادة البيثيدين، وهي أفيونية قابلة للتعديل الكيميائي لإنتاج مركبات مشتقة منها. وقام فريقه بإنتاج واختبار عدد كبير من هذه المركبات. وفي عام 1958، وسّع يانسن مختبراته وانتقل بها إلى قرية بيرسي القريبة، حيث طوّر الكيميائي بيرت هيرمانز مركب «البيوتروفنون» الفلوري المعروف آنذاك بالرمز R1625، والذي أظهر في التجارب الحيوانية قدرة على منع تأثيرات الأمفيتامين، كما أحدث تأثيرات سلوكية — كالهدوء والكَتاليسيس — تشبه تلك الناتجة عن العقار المضاد للذهان كلوربرومازين. وخضع المركب لاختبارات سريرية في مستشفى لييج، ثم في مستشفى سان آن في باريس، الذي كان له دور محوري في تطوير الكلوربرومازين. وبحلول عام 1959، دخل العقار السوق الأوروبية تحت الاسم التجاري «هالدول»، ووصل بعد ذلك إلى السوق الأمريكية عام 1967.
فلوكسيتين: من الفرضية إلى التصميم الجزيئي المنطقي
على عكس اكتشاف الهالوبيريدول، لم يعتمد اكتشاف فلوكسيتين على ملاحظة سريرية غير متوقعة، بل نشأ من نموذج كيميائي حيوي منهجي. ففي منتصف الستينيات، أثبت علماء الأدوية السويديون أرفيد كارلسون وماغريت ليندكفيست والهولندي جاك فان روسوم أن الدوبامين ناقل عصبي، واقترحوا أن فرط نشاطه يرتبط بالفصام، وأن أدوية مثل الهالوبيريدول تعمل عبر تثبيط هذا النشاط. وفي الوقت نفسه، طوّر الأمريكيون جوزيف ج. شيلدكراوت وويليام إي. بوني وآخرون «فرضية الأمينات الوحيدة» للاكتئاب، والتي تفترض أن انخفاض مستويات النواقل العصبية الأمينية — مثل السيروتونين والنورإبينفرين والدوبامين — يرتبط باضطراب الاكتئاب. ودفع ذلك البحث النشط عن مضادات للاكتئاب أكثر فعالية وأقل آثارًا جانبية من ثلاثية الحلقات ومثبطات أوكسيداز الأمينات.
عمل فولر ومالوي في شركة إلي ليلي
وانطلق الباحث راي دبليو. فولر (1935–1996)، وهو كيميائي حيوي أمريكي من ولاية إلينوي، في هذا الاتجاه بعد انضمامه إلى شركة إلي ليلي في أوائل ستينيات القرن العشرين. وقد شكّلت خبرته السابقة كمساعد في مستشفى نفسي كبير حافزًا لاهتمامه الدائم بتطوير أدوية للأمراض النفسية. وبناءً على فرضية الأمينات الوحيدة، وضع فولر نظامًا تنبؤيًّا لتحديد المركبات الواعدة، وذلك عبر إعطاء مادة الكلوروأمفيتامين التي تخفض مستويات السيروتونين الدماغي، ثم اختبار المركبات الجديدة لمعرفة ما إذا كانت تستعيد هذه المستويات. ونجح في إقناع الكيميائي العضوي الاسكتلندي براين بي. مالوي (1939–2004) بالانضمام إلى الفريق. واتخذ مالوي من مضاد الهيستامين دي فينهايدرامين نقطة انطلاق، لأن مركباته المشتقة كانت أدت سابقًا إلى اكتشاف الكلوربرومازين والإيميبرامين. وبدأ بتصنيع سلسلة من التحويرات على دي فينهايدرامين ومركبات ذات صلة. وفي عام 1971، درس الفريق تأثير هذه المركبات على السيروتونين في جزء من أنسجة دماغية متجانسة يُعرف باسم «السينابتوزومات». وكان الهدف هو العثور على مركب يمنع إعادة امتصاص السيروتونين — مثل الإيميبرامين — لكن مع تأثير أقل على النواقل العصبية الأخرى. وفي عام 1972، تبيّن أن فلوكسيتين هو أقوى مركب يحقق هذه المواصفات، فتم تبنيه كمرشح دوائي للاستخدام البشري. وفي يناير 1988، أطلقت إلي ليلي العقار تحت الاسم التجاري «بروزاك»، وحقّق نجاحًا فوريًّا؛ إذ وصل عدد الوصفات الطبية المكتوبة له إلى 2.5 مليون وصفة بحلول ديسمبر من نفس العام، وبلغ 4.5 مليون وصفة لأمريكيين بحلول عام 1993.
التصميم الدوائي المنطقي ووراثة الاكتشافات العرضية
وأدى نهج فلوكسيتين على مدى الزمن إلى تطوير أدوية جديدة عديدة، منها مضادات الاكتئاب التي تمنع إعادة امتصاص السيروتونين والنورإبينفرين معًا — مثل فينلافاكسين — أو التي تمنع إعادة امتصاص الدوبامين — مثل بوبروبيون — أو التي ترتبط بأنواع فرعية محددة من مستقبلات السيروتونين أو النورإبينفرين — مثل ميرتازابين. وتجمع هذه الأدوية جميعها خاصية واحدة: فهي نتاج تعديل جزيئي متعمَّد ضمن إطار نظرية كيميائية حيوية أو فسيولوجية للمرض، وهي العملية المعروفة باسم «التصميم الدوائي المنطقي». وهذه الطريقة تختلف اختلافًا جوهريًّا عن الأساليب التي اعتمدت عليها اكتشافات أدوية الفصام والاكتئاب والقلق والاضطراب ثنائي القطب في الخمسينيات وأوائل الستينيات، وهي تؤدي عادةً إلى نتائج أكثر قابلية للتنبؤ. ومع ذلك، فإن هذه المنهجية نفسها قامت على أساس اكتشافات سابقة قام بها باحثون متيقظون استخلصوا آثار ملاحظات غير متوقعة — مثل سلوك درّاجي السباقات المسمومين بالأمفيتامين.
آخر الأخبار
تكنولوجيا وعلوماكتشاف أول دليل مباشر على قدرة الجويثيت على نقل الماء إلى الغلاف الصخري السفلي
لايف ستايلصوفي رين، 23 عاماً، تُظهر جسدها في فيديو جديد على منصة إكس
كرة القدمإنفانتينو يواجه طلبًا علنيًّا من فيجو بالاستقالة خلال اجتماع سلا الطارئ
لايف ستايل
