ثقافة ومجتمع
جيمس يصف «مرض العالم» بخمس مراحل تبدأ بتبريد الفرح وتنتهي بالرعب من العدم
يحلل فيليام جيمس في كتابه «أصناف التجربة الدينية» تطور التشاؤم عبر خمس مراحل متدرجة، بدءاً من تبلّد المتعة وانتهاءً بالشك في القيمة الذاتية والعالمية للوجود، وفق ما تناولته دراسة فلسفية نُشرت في ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦.

يُبرز تحليل فلسفي نُشر في ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ الفروق الجوهرية بين المتفائلين والمتشائمين من حيث الانسجام الداخلي أو التصدع الذاتي، مستنداً إلى رؤية الفيلسوف ويليام جيمس (١٨٤٢–١٩١٠) حول التنوّع الذاتي البشري وانعكاساته النفسية والوجودية.
الذوات المتعددة عند جيمس
يحدد جيمس ثلاثة أبعاد للذات الإنسانية: البُعد المادي، الذي يشمل الجسد وأفراد الأسرة والملابس والممتلكات المُقدَّرة أو المكتسبة بصعوبة مثل المنزل؛ والبعد الاجتماعي، الذي يتكوّن من العلاقات الفعلية أو المتخيلة مع الآخرين، بحيث يكون لكل شخص عددٌ من الذوات الاجتماعية يساوي عدد الأشخاص الذين يعرّفونه كابن أو صديق أو زميل عمل أو عضو مجتمع أو جار؛ والبعد الروحي، الذي يمثل مركز الاهتمامات والجهود، ويشمل القدرات العقلية والوظائف العاطفية والأماني والطموحات.
ويشير التحليل إلى أن المتفائل يتميّز بانسجام داخلي بين هذه الأبعاد الثلاثة، رغم وجود بعض التناقضات السطحية، وأنه يملك مجموعةً متكاملةً ومترابطةً من الذوات، ويجد معنىً وقيمةً في ما يحيط به. كما يوصف أن دوافعه الروحية «مشتعلةٌ دائماً»، وأنه يمتد نحو الخارج ليبني الروابط مع الآخرين، ويتجه نحو الداخل ليكتشف المعنى والفرح والإمكانات.
انكماش الذات وتصدّعها
أما المتشائم فيشهد انكماشاً أو تصلّباً في أبعاد ذاته الثلاثة. ويوضّح النص مثالاً على ذلك حين يفقد الشخص وظيفةً كانت محوريةً في هويته كرجلٍ وزوجٍ وأبٍ، فيشعر بالارتباك والانفصال عن مرجعياته، وقد يصبح مريراً غاضباً، ما يعيق إدراكه للحب والروابط وما لا يزال يمتلكه.
ويُشار إلى أن التشاؤم يُفعّل «وظيفة الرفض»، فيقول الشخص «لا» بشكل متكرر أمام الفرح والحب والزمالة، ويصبح الانكماش هو الديناميكية المُحدِّدة لحياته. كما يتصف المتشائم بتقسيمٍ عميقٍ لذاته، حيث تتصارع أجزاء منها ضد بعضها، فيرفض أجزاءً غير مرغوب فيها، ويفرض على نفسه اعتماد أجزاء أخرى لا تناسبه إطلاقاً. ويُوصف الشعور بالانقسام العميق بأنه سمةٌ مميزةٌ لتعمّق التشاؤم، إذ لا يقتصر الأمر على تناقضات معرفية، بل يتحول إلى هجومٍ جسديٍّ ونفسيٍّ شاملٍ على الذات أو الذوات.
مراحل «مرض العالم» الخمس
ويستند التحليل إلى مناقشة جيمس الحية في كتابه «أصناف التجربة الدينية» (١٩٠٢)، التي يُسمّيها «مرض العالم»، ويتتبع خمس مراحل متتالية لهذا التدهور:
- تبريد الفرح: تُخفَّض حدة المتعة
- تدمير الفرح: تُلغى المتعة في بعض مجالات الحياة
- الانهدونيا: فقدان القدرة على إنتاج المتعة
- الanguish النشط: فقدان الشعور بالقيمة أو الجدارة كشخص
- الرعب من الذعر: فقدان الشعور بالقيمة أو الجدارة في العالم بأسره
ويُوضح النص أن التشاؤم يزداد إعاقةً كلما زاد تأكيد الشخص على قول «لا» تجاه التجارب والإمكانات بل تجاه الحياة نفسها. وقد وصل جيمس شخصياً إلى مرحلة «الرعب من الذعر» في سبعينيات القرن التاسع عشر، حين آمن أنه لا شيء فيه يُعزّز الحياة، ولا شيء في العالم يحمل طابعاً إيجابياً، فلم يعد يجد أي مرجعية يمكنه الارتباط بها، ما جعله يشعر بالعزلة المطلقة والرعب الشديد، وجعل المجهول المتمثل في الموت يبدو له أفضل من المعاناة المعلومة.
الدورة الشريرة والخروج منها
ويُشار إلى وجود «دورة شريرة» لدى المتشائمين، حيث قد يكون «مرض العالم» سبباً ونتيجةً في آنٍ واحدٍ لرفض الشخص للإمكانيات والتجارب، ما يؤدي إلى تغيير جذري في أبعاد ذاته المادية والاجتماعية والروحية، وتتعرض «وظيفة القبول» للانقطاع أو الاحتراق الكامل.
ويُذكر أن جيمس وجد مخرجاً من حالة «الرعب من الذعر»، ما أعاد إشعال «وظيفة القبول» لديه. ويُشار إلى أن هناك عدّة طرق للخروج من هذه الحالة، سيتم تناولها في منشورات لاحقة.





