العالم

تثير العلاقة المتوترة بين بكين وواشنطن تساؤلات جوهرية حول توازن القوى في القرن الحادي والعشرين، ومدى قدرة الولايات المتحدة على مواجهة صعود الصين المتسارع.
فبينما يحذّر خبراء من "سباق تسلح" جديد قد يرهق الاقتصاد الأمريكي، كما فعل سباق واشنطن مع الاتحاد السوفيتي في عهد رونالد ريغان، يرى آخرون أن المشهد أكثر تعقيدًا، وأن الصين قد تستخدم استراتيجية مزدوجة تجمع بين الاقتصاد والسياسة لإضعاف خصمها دون مواجهة مباشرة، وفق صحيفة "آسيا تايمز".
تفوق صناعي في سباق التسلح
وأشارت الصحيفة إلى أن السؤال الأول الذي يقلق صناع القرار الأمريكي هو حجم القدرة الصناعية العسكرية للصين، إذ تُعد بكين صاحبة أكبر قاعدة إنتاجية متكاملة ومستقلة في العالم، قادرة على تصنيع الأسلحة بكميات وسرعة تفوق أي منافس.
هذا التفوق يمنحها مرونة كبيرة في تحديث قواتها المسلحة وخوض سباق تسلح بتكلفة أقل؛ لكن الصورة ليست مكتملة من دون النظر إلى التكلفة الفعلية للتسليح الصيني.
ويثير المحللون جدلاً حول تكاليف صناعة السلاح في الصين؛ فبينما يرى البعض أن بكين تنتج أسلحتها بكلفة لا تتعدى جزءًا من نظيرتها الأمريكية، يعتقد آخرون أن الفارق أصغر مما يبدو، ويرجع ذلك إلى أساليب الدعم الحكومي وتكاليف العمالة وانضباط سلاسل التوريد.
وقد يؤدي انخفاض تكاليف الصين فعلًا إلى دفع الولايات المتحدة نحو استنزاف مواردها المالية للحفاظ على تفوقها، في مشهد يعكس بصورة معكوسة استراتيجية ريغان تجاه الاتحاد السوفيتي.
وربما يفسّر ذلك تردد بكين في رفع الأجور أو تعزيز الاستهلاك المحلي، إذ تميل إلى إبقاء تكاليف الإنتاج منخفضة للحفاظ على ميزتها التنافسية في سباق التسلح والصادرات.
مع ذلك، يحمل هذا النهج مخاطر واضحة؛ فالإفراط في استعراض القوة قد يثير الرأي العام في الولايات المتحدة وغيرها ضد الصين، ويدفع إلى تشكيل تحالفات أو تبني سياسات احتواء أكثر تشددًا، ما يحوّل أداة الضغط الاقتصادي إلى عبء سياسي ثقيل.
بُعد ناعم للصراع
على خلاف الصدام الأيديولوجي الذي ميّز علاقة الغرب بالاتحاد السوفيتي، تعتمد الصين اليوم نهجًا أكثر براغماتية في تعاملها مع الرأسمالية العالمية؛ إذ لا يسعى الحزب الشيوعي إلى مصادرة أموال المستثمرين الأجانب، بل يعدهم بزيادة أرباحهم ما داموا ملتزمين بقواعد اللعبة، وهو ما جذب مليارديرات من هونغ كونغ وتايوان، فضلًا عن مستثمرين أمريكيين حققوا مكاسب ضخمة في السوق الصينية.
مع ذلك، تبقى هذه العلاقة محكومة بقيود واضحة؛ إذ يعمل المستثمرون تحت مظلة "القائد الأعلى"، حيث تتحكم الدولة في توزيع أفضل الفرص، بعيدًا عن منطق السوق الحرة بالكامل.
ومع ذلك، يفضّل بعض الرأسماليين هذا النموذج؛ لأنه يمنحهم حماية خاصة وإمكانات احتكار، بفضل الدعم الحكومي.
النفوذ الأمريكي
رغم الخطاب المتشدد، تبدو الولايات المتحدة أقل استعدادًا للمواجهة المباشرة مع الصين؛ فمحاولات «فك الارتباط» التي طُرحت خلال جائحة كوفيد-19 لم تُستكمل، والحرب الجمركية تراجعت أمام الردود الصينية.
وحتى في أولوياتها الإستراتيجية، تُظهر وثائق البنتاغون الأخيرة تركيزًا على نصف الكرة الغربي أكثر من آسيا وأوروبا.
هذا التراجع يفسح المجال أمام قوى أخرى لتعزيز حضورها الإقليمي؛ فأوروبا مطالَبة بالتركيز على محيطها، بينما يُفترض أن تدير اليابان والهند وأستراليا علاقاتها مع الصين من دون الاعتماد الكلّي على واشنطن.
غير أنّ ذلك يضع بكين أمام تحديات إضافية، إذ قد يدفع غياب الوساطة الأمريكية جيرانها إلى اتخاذ مواقف أكثر تشدّدًا، ما يرفع احتمالات التوتر في شرق آسيا وجنوبها.
يُظهر التاريخ أنّ الصين كثيرًا ما واجهت تحديات كبرى من قوى إقليمية أصغر؛ فاليابان غزتها مرارًا، وفيتنام صمدت أمامها على مدى قرون.
هذه الخبرات تجعل دول آسيا أكثر حذرًا، وربما أشد استعدادًا لاحتواء أي طموحات صينية مفرطة، خاصة إذا فقدت بكين فرصة توظيف واشنطن كـ«عدو خارجي» لتعبئة الداخل.
في الولايات المتحدة نفسها، قد تؤدي الاضطرابات الداخلية إلى تراجع الاهتمام بالشؤون الخارجية، لكنها قد تحفّز أيضًا مراجعة عميقة للسياسات، كما حدث بعد أزمات الستينيات عندما أعادت البلاد ترتيب أولوياتها وانتقلت من الفوضى إلى الانفتاح في عهد نيكسون.
تفوق الصين الصناعي، وانفتاحها الانتقائي على الرأسمالية، واستعدادها لاستغلال نقاط ضعف واشنطن، جميعها تمنحها أوراق قوة في «الحرب الباردة» الجديدة.
لكن هذه المزايا قد تتحول إلى نقاط ضعف إذا أدت إلى استعداء جيرانها أو دفع الولايات المتحدة إلى حشد مواردها بكفاءة أكبر.
في النهاية، الصراع بين بكين وواشنطن لا يخضع لحتميات تاريخية، بل يعتمد على قرارات سياسية واستراتيجيات مرنة؛ فالصين تراهن على الصبر والانضباط الاقتصادي، بينما تراهن الولايات المتحدة على ابتكار حلول وتحالفات للحد من صعود خصمها.
وبين هذين الرهانين، يظل العالم مراقبًا لسباق معقد قد يعيد رسم موازين القوة لعقود مقبلة.
اخبار لبنان
اخبار لبنان
العالم
العالم