Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

مرحلة الطفولة المتوسطة تُعيد تشكيل هوية الوالدين أيضًا

تُظهر أبحاث التنمية أن انتقال الطفل إلى المرحلة المتوسطة لا يُعيد تعريف دوره فحسب، بل يُعيد أيضًا صياغة هوية الوالدين كأولياء أمور وأفراد، عبر تحولات في التعلق والاعتماد الذاتي وتقييم الذات.

··قراءة 5 دقائق
مرحلة الطفولة المتوسطة تُعيد تشكيل هوية الوالدين أيضًا
مشاركة

في اليوم الأول من الصف الأول، دخلت ابنتي الصغرى الفصلَ مُتحمّسةً لرؤية أصدقائها ومعلّميها الجدد، واحتضنتني بسرعة قبل أن تنطلق. لم تعد تلك اللحظة تشبه الأيام الأولى السابقة، حين كانت تطلب مني البقاء، وتقترب من زملائها خجولًا متمسكةً بيدي. لقد دخلنا معًا مرحلة الطفولة المتوسطة، حيث طوّرت هي شعورًا واضحًا بهويتها كطالبةٍ وصديقة، وليس فقط كطفلة، بينما بدأتُ أنا في إعادة تشكيل إدراكي لهويتي كأمٍ وكإنسانةٍ مستقلة.

تحولات نظام التعلق في المرحلة المتوسطة

لا يعكس الاحتواء السريع عند الباب انخفاض الحاجة إليّ، بل يشير إلى تحوّل في طبيعة هذه الحاجة. ففي الطفولة المبكرة، يرتكز نظام التعلق على القرب الجسدي، أما في المرحلة المتوسطة، فينتقل الهدف من القرب إلى التوفر — أي ثقة الطفل في قدرته على الوصول إليّ والاستجابة منه عند الحاجة (بولبي، ١٩٨٨؛ كيرنز وأبتاهي، ٢٠١٧). ويعكس هذا التحوّل جزئيًا نموَّ التنظيم الذاتي لدى الطفل، الذي يصبح أقل اعتمادًا على المساعدة اللحظية، لكنه لا يقلّل من الحاجة إلى شخص التعلق، بل يعيد تشكيلها: من دعم مباشر في اللحظة إلى نموذج تشغيلي داخلي عن مدى اعتماديّتي العاطفية والنفسية.

ولا يزال الوالدان الشخصين الرئيسيين في نظام التعلق خلال هذه المرحلة. فعند سؤال الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ١١ و١٢ عامًا عمّن سيتجهون إليه في المواقف التي تُفعّل حاجات التعلق — مثل القلق من أول يوم دراسي أو الرغبة في الاتصال بعد غياب أسبوعين في معسكر صيفي — يُظهر هؤلاء الأطفال تفضيلًا واضحًا للوالدين على الأقران (سايبرت وكيرنز، ٢٠٠٩). كما يتطور العلاقة لتكون تحالفًا تعاونيًا: فالطفل ما زال يعتمد على شخص أقوى وأكثر حكمة، لكنه يبدأ باستخدام الوالد كمصدر دعم بدلًا من أن يكون هو من يحل المشكلات نيابة عنه (كيرنز وأبتاهي، ٢٠١٧). ويستمر الوالد في أداء وظيفتين رئيسيتين: ملاذ آمن في حالات الضيق، وقاعدة آمنة للاستكشاف، وهذه الأخيرة هي التي تكتسب وزنًا متزايدًا الآن، إذ تدعم استعداد الطفل لمواجهة التحديات والمخاطرة بالفشل.

عملية بناء الهوية الذاتية لدى الطفل

تتبع عملية تكوين الهوية في هذه المرحلة نمطًا تطورياً محدّدًا. ففي الطفولة المبكرة، تكون وصفات الذات عامةً ومتفائلةً، وتظل ثابتة عبر السياقات المختلفة. أما في المرحلة المتوسطة، فيبدأ الطفل بتقييم نفسه بشكل منفصل في مجالات متعددة: الكفاءة الدراسية، والكفاءة الرياضية، والقبول الاجتماعي، والمظهر الجسدي، والسلوك التصرفي، ويُكوّن لأول مرة شعورًا بكلّي بقيمته الذاتية يمكنه التعبير عنه لفظيًا (هارتر، ٢٠١٢). ويُمكّن هذا التطورَ القدرة على المقارنة الاجتماعية: فالطفل يستطيع الآن الاحتفاظ بأدائِه وأداء زميلٍ له في ذهنه معًا، ثم استخلاص استنتاج عن ذاته من الفرق بينهما. وهذه القدرة تمثّل إنجازًا معرفيًا حقيقيًا. وبمجرد أن يكتسب الطفل القدرة على التصنيف الذاتي، يجد غالبًا أن أداؤه لا يرقى إلى المستوى المرغوب في بعض المجالات، ما يؤدي إلى تراجع التقييمات الذاتية الخاصة بكل مجال تدريجيًا خلال الطفولة المتوسطة والمتأخرة (هارتر، ٢٠١٢). ولذلك، عندما تقول ابنتي إنها عدوة سريعة لكنها ليست راسمة جيدة، فهي لا تبحث عن طمأنة، بل تعمل على اكتشاف من تكون.

المرحلة التفسيرية في رحلة الأبوة

في إطار «المراحل الست للأبوة» لإلين غالينسكي (١٩٨٧)، التي تستند إلى أعمال إريكسون (١٩٦٣) وليفنسون (١٩٧٨) ومقابلات مع مئات الآباء، تُسمّى المرحلة المقابلة للطفولة المتوسطة «المرحلة التفسيرية». ومن مهامها الأساسية تفسير العالم للطفل، وتحديد مدى الانخراط فيه، وإدارة التوتر بين الانفصال والارتباط. لكن المهمة التي تضعها غالينسكي في المقدمة — والتي أعود إليها مرارًا — هي تفسير الذات كوالدٍ. فهذه هي الفترة التي يطلب فيها الطفل منا، غالبًا لأول مرة، توضيح ما نؤمن به فعليًا بشأن الإنجاز والصداقة والعدالة والجهد، بينما يخرج هو ليختبر العالم بنفسه ويراقب ما إذا كانت إجاباتنا تتطابق مع الواقع.

وتتزامن الطفولة المتوسطة لدى الطفل غالبًا مع مرحلة منتصف العمر لدى الوالد، وهي مرحلة تتميز بالتفاعل الكثيف بين عدة أدوار: العمل، ورعاية الوالدين المتقدمين في السن، وتنشئة الأطفال، والاهتمام بالصحة الشخصية، كل ذلك جنبًا إلى جنب مع التغيرات الجسدية والنفسية المرتبطة بالتقدم في العمر (لاكمان، ٢٠٠٤). وعلى الرغم من الصورة الشائعة عن «أزمة منتصف العمر»، فإن الأبحاث تشير إلى أن هذه المرحلة قد تكون ذروة الأداء الوظيفي، وتشعر فيها الفرد بالتحكم والرغبة في الإنجاز الذي يتجاوز عمره (إريكسون، ١٩٦٣). وتندرج تنشئة الطفل في سن المدرسة ضمن العمل التوليدي بوضوح، لكن الساعات التي تتحرر عندما لا يحتاج الطفل إلى الرعاية الجسدية المستمرة هي ساعات حقيقية، ومحتواها يكتسب أهمية كبيرة. وهنا تتقاطع القصتان التنمويتان: قصّة الطفل وقصّة الوالد.

ارتباط هوية الوالد بهوية الطفل

توجد علاقة منطقية قوية بين استقرار الوالد في هويته وفعاليته التربوية، وقد أكّدت الأبحاث ذلك. فكفاية الوالد الذاتية — أي تقييمه لقدرته على أداء دوره كأب أو أم — ترتبط ارتباطًا وثيقًا بكفاءته التربوية، وبتكيف الطفل مباشرةً وعبر الممارسات التربوية (جونز وبرينز، ٢٠٠٥). كما توضح نظرية التحديد الذاتي كيف تتداخل هويتا الوالد والطفل: ففي دراسة شملت ١٥٤ أمًا وطفلَيْهما في المرحلة الابتدائية، وُجد أن الأمهات اللواتي أبلغن عن رضا أعلى عن احتياجاتهن النفسية في مجالات الاستقلالية والكفاءة والارتباط، كان يُنظر إليهن من قِبل أبنائهن على أنهن أكثر دعمًا للاستقلالية. وهذا النمط من التنشئة الداعم للاستقلالية ارتبط بدوره برضا الطفل عن احتياجاته النفسية، وكذلك باتباع إخوته لنفس النمط في تفاعلهم مع بعضهم (فان دير كاب-ديدر وآخرون، ٢٠١٥).

وهذا الجانب هو الأشد فائدة والأكثر طلبًا في الوقت نفسه. فدعم استقلالية الطفل يتطلب نوعًا من الثبات: القدرة على تبني منظوره، والسماح له بمحاولة شيء ما بشكل غير مثالي، والاستماع إلى قوله إنه ليس أفضل قارئ في صفه دون التدخل الفوري لإدارة انزعاجي الشخصي من ذلك. وهذا الثبات أسهل ما يكون عندما لا تكون هويتي مرهونة تمامًا بأداء طفلي. فقد سمعت غالينسكي منذ أربعة عقود من آباء أن قيمة الوالد لا يمكن أن تقوم على أداء الطفل.

وكانت ابنتي قد اختفت في غضون عشر ثوانٍ، وهو ما اعتبرته مؤشرًا جيدًا: دليلًا على ثقتها في أنني سأكون هناك عند الساعة الثالثة، وهي بالضبط الصورة التي يجب أن يتخذها «التوفّر» عند سن السادسة. وما لم أكن أتوقعه هو أن نموها التنموي سيُسنِد إليّ مهمة خاصة بي. فهي تعمل على اكتشاف من تكون، وهكذا أكون أنا أيضًا. والنتيجة الطمأنينة التي توصلت إليها أبحاث الطفولة المتوسطة على مدى عقود هي أن مهمتينا لا تحتاجان إلى التنافس. فمعًا، ستتطور هويتنا وتتكيف جنبًا إلى جنب.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة