Daily Beirut

ثقافة ومجتمع

«كايتي غيليس»: «النجاة الجيدة» بعد الصدمة ليست انتصاراً أخلاقياً بل

تستعرض كايتي غيليس، أخصائية اجتماعية معتمدة، في مقال تأملي نُشر في ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦، كيف أن التعبير عن «النجاة الجيدة» بعد الطفولة الصادمة يعكس في كثير من الأحيان وجود دعم ووصول إلى الموارد، لا مجرد قوة شخصية أو حظ.

··قراءة 3 دقائق
«كايتي غيليس»: «النجاة الجيدة» بعد الصدمة ليست انتصاراً أخلاقياً بل
مشاركة

نشرت كايتي غيليس، أخصائية اجتماعية مرخّصة (LCSW)، مقالاً تأملياً بعنوان «الكدمات غير المرئية» في ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦، تناولت فيه مفهوم ما يُسمى بـ«النجاة الجيدة» بعد تجربة طفولة صادمة. ووصف المقال هذه النجاة بأنها غالباً ما تُنظر إليها على أنها «انتصار أخلاقي»، لكنه يشير إلى أن المرونة تتشكل في الواقع عبر الدعم والوصول إلى الموارد، وليس عبر القوة الشخصية أو الحظ وحدهما.

ما الذي تعنيه عبارة «لقد نجوت جيداً»؟

في خريف العام الماضي، حضرت غيليس لقاء تخرّجها المدرسي العشريني. خلال اللقاء، علّق أحد زملائها—بعد أن بدا أنه استهلك قدراً من المشروبات الكحولية—عليها قائلاً: «لقد تغيّرتِ فعلاً يا كايتي. لقد نجوتِ جيداً». وبعد لحظة، أضاف: «أعني أنك كنتِ ستكونين إحصائية بالتأكيد. كنتِ تتجهين نحو ذلك الطريق بلا شك. من المذهل أنك نجوتِ بهذه الطريقة». ثم سارع إلى تغطية فمه بيده، مدركاً أن ما كان يدور في ذهنه قد خرج فعلاً من فمه، ربما بمساعدة «جرعة شجاعة سائلة». وقد اعتذر فوراً، وأظهر ندمه الواضح.

لكن غيليس توضح أن كلماته كانت صحيحة تماماً، وأنها كانت تفكر في تلك الفكرة نفسها مراراً. والأهم من ذلك أنها أدركت لأول مرة أن معاناتها لم تكن مخفية كما ظنت، بل كانت واضحة للآخرين. فلم تكن تدرك أن من حولها في تلك المرحلة كانوا يلاحظون آثار الألم عليها، أو أنهم كانوا قادرين على رؤية ما قد يؤول إليه مصيرها.

الإطراء الذي يحمل سؤالاً غير معلن

وتكرر سماع عبارة «لقد نجوتِ جيداً» على لسان أفراد العائلة الذين يعرفون كيف نشأت، ومن أمها التي تحاول تبرير عدم إلحاقها بها بالعلاج النفسي في الطفولة رغم حاجتها الماسة إليه. وتُقال العبارة أحياناً بدهشة، وأحياناً أخرى—كما في تلك الليلة—بصراحة تكشف ما كان يُفترض أن يحدث لها.

وتلفت غيليس الانتباه إلى الغرابة في سماع هذه العبارة حين يُقصد بها ضمنياً: «بالنظر إلى أصلِك. وبالنظر إلى ما حدث لك». وتضيف أن هذا التعبير يحمل في طيّاته عادةً رسالة ضمنية أخرى: «لم نكن نتوقع هذا منك». وتشير إلى أن الشعور بعدم الارتياح ينشأ عند إدراك أن الآخرين كانوا يرون مسار حياتها قبل أن تتمكن هي نفسها من فهمه.

وتسأل: كم من البالغين لاحظوا ذلك؟ كم من المدرسين أو الأقارب أو الجيران أو أصدقاء العائلة رأوا طفلاً يعاني بوضوح، وفهموا أن هناك خطباً ما، ومع ذلك لم يتخذوا أي إجراء؟ وكيف يمكن لهؤلاء أن يقولوا اليوم: «لقد نجوتِ جيداً»، بينما هم شهدوا جزءاً على الأقل مما كان يحدث؟ وتقول إن هذا الإطراء يحتوي على سؤالٍ تود لو تطرحه مباشرةً: «إذا كنتم ترون ما يكفي الآن لتتفاجأوا بكيفية نجاتي، فماذا رأيتم وقتها؟ ولماذا لم يفعل أحدٌ شيئاً؟».

المرونة ليست سلوكاً أخلاقياً بل امتيازاً اجتماعياً

وتؤكد غيليس أن عملية الشفاء من الصدمة لا تُمنح للجميع على قدم المساواة. فليس كل من يمر بالألم يحصل على المساحة اللازمة لتحويل معاناته إلى شفاء. وليس كل من يستخدم استراتيجيات تكيفية يملك المسافة الكافية لرؤيتها بوضوح. وليس الجميع يحظى بفرصة ثانية. فالكثير من الأشخاص الذين تخفف معاناتهم مؤقتاً عبر مواد أو سلوكيات تؤدي في النهاية إلى تدهور وضعهم، يبقون في تلك المسارات، ولا تلامهم غيليس على البقاء فيها طالما احتاجوا لذلك.

وتوضح أن السرد السائد يميل إلى التبسيط: بعض الناس يتخذون قرارات جيدة، وبعضهم يتخذ قرارات سيئة. وبعضهم مرن، وبعضهم ليس كذلك. لكن المرونة، بحسب غيليس، غالباً ما تكون امتيازاً. فعندما يتحول شخصٌ إلى «إحصائية»، نبحث عادةً عن العيب فيه. أما البقاء على قيد الحياة، فهو نادرًا ما يكون بهذه البساطة.

الأسئلة التي لا تجد إجابات

وتطرح غيليس على نفسها مراراً السؤال: ما الذي ميّزها عن أقرانها الذين لم ينجوا؟ هل كانت اختياراتها هي الفارقة؟ هل كانت أقوى؟ أم أكثر انضباطاً أو دافعاً؟ وتقول إنها لا تؤمن بذلك. وهل كان هناك تدخل إلهي؟ أم كان الأمر مسألة حظ أو توقيت أو فرصة أو مزيج من كل ذلك؟ وتؤكد أنها لا تعرف الإجابة، وأنها لا تعتقد أنها ستعرفها يوماً. لكنها تدرك يقيناً أن امتيازاً ما كان موجوداً: فبعض الأبواب كانت مفتوحة أمامها عندما طرقتها أخيراً.

وتختتم بالقول إننا جميعاً بحاجة إلى فهم أعمق لمعاناة الآخرين، بأوجهها المختلفة. فليس لدى الجميع نفس الموارد أو الفرص لإعادة البدء. وبعض الناس يحملون آثار ما حدث لهم بطريقة أكثر وضوحاً—وأقل قبولاً اجتماعياً—من غيرهم. وجزءٌ من كسر دائرة المعاناة هو رفض الحكم على طرق النجاة التي تختلف عن طرقنا.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة