تكنولوجيا وعلوم
كشف تعاون دولي عن مستشعر كمّي يعزل الإشارات الكونية من خلال تحييد الضوضاء التجريبية في ظروف تشغيل واقعية.

يظل معرفة تركيب الكون أحد أبرز تحديات الفيزياء الحديثة، إذ بالرغم من علم العلماء بوجود المادة المظلمة والأمواج الجاذبية، إلا أن رصد إشاراتها الخافتة يتطلب أدوات دقيقة للغاية قد تتعرض بسهولة لتداخل ضوضاء مكونات الأجهزة نفسها.
في مواجهة هذه العقبة، أعلن تعاون دولي بقيادة كلية إمبريال لندن عن نموذج أولي لمستشعر كمّي قادر على عزل الظواهر الكونية عبر تحييد التداخل التجريبي المزعج ضمن ظروف تشغيل واقعية.
يمثل هذا الإنجاز التجريبي خطوة أساسية نحو استخدام مقاييس التداخل الذري ذات القاعدة الطويلة، التي تعتمد على الليزرات المتخصصة لتقسيم سحب الذرات ثم إعادة جمعها، مما يمكّن الباحثين من قياس التغيرات الدقيقة في حركة الذرات بتفصيل متناهٍ.
من خلال مقارنة سحابتين منفصلتين من الذرات تتعرضان لنفس ضوء الليزر، يمكن لأي اختلاف طفيف في سلوكهما أن يشير إلى مرور موجة جاذبية أو تموج في مجال المادة المظلمة الغامض.
على الرغم من صحة الأسس الرياضية لمقاييس التداخل الذري، إلا أن التطبيق العملي واجه تحدياً هندسياً كبيراً، إذ تولد الليزرات المستخدمة للتحكم في سحب الذرات ضوضاء طور ذاتية.
هذه التقلبات تتجاوز بكثير الإشارات الكونية الضعيفة التي يسعى الباحثون لاكتشافها، وإذا لم تُصحح، فإن ضوضاء الليزر الداخلية تعمي البيانات، مما يجعل من المستحيل تحديد أي تأثيرات كونية خارجية.
لتجاوز هذه المشكلة، اقترح الفيزيائيون طريقة تفاضلية تعتمد على ترتيب جهازين تداخليين مميزين بحيث تلغي الضوضاء المشتركة من الليزر الرئيسي عند مقارنة مجموعتي البيانات. ومع ذلك، لم يتم إثبات فعالية هذا الإلغاء في ظروف تجريبية واقعية حتى هذه الدراسة.
اختبر الباحثون في مختبر سترونتيوم فائق البرودة في إمبريال جهاز اختبار مكتبي خاص، يضم سحابتين منفصلتين من ذرات سترونتيوم-87.
تم تبريد هذه الذرات إلى درجات حرارة قريبة من الصفر المطلق ورفعها باستخدام ضوء ليزر أزرق، مع مراقبتها بواسطة نظام ليزر ساعة عالي الاستقرار.
لتحدي منهجية إلغاء الضوضاء، أدخل الفريق كميات كبيرة من ضوضاء الطور الاصطناعية في النظام، متجاوزة التقلبات الطبيعية لمعدات المختبر. في البداية، أدت هذه الفوضى إلى محو أنماط التداخل الحساسة، مما جعل كل جهاز تداخلي منفرد غير صالح للاستخدام.
لكن عند مقارنة البيانات من السحابتين، اختفت ضوضاء الليزر المشتركة، وبرز الإشارة الأساسية بوضوح، تعمل عند الحد الأساسي الذي تحدده ميكانيكا الكم.
لتأكيد فاعلية المستشعر، أدخل العلماء تردداً متذبذباً يحاكي توقيع مجال المادة المظلمة الغامض أو تشويه الزمكان المار. وعلى الرغم من أن الإشارة كانت مخفية تحت ضوضاء خلفية هائلة، تمكن الزوج التفاضلي من تحديد الإشارة المستهدفة بدقة عالية.
نجاح هذا الاختبار التمهيدي يمهد الطريق لتوسيع استخدام التقنية في منشآت دولية، حيث تعد هذه الطريقة مركزية لتطوير مشاريع مقاييس التداخل الذري الجيل القادم، بما في ذلك منشأة MAGIS في فيرمي لاب والبنية التحتية المقترحة AICE في سيرن.
من خلال تحويل النقاش من نظرية رياضية إلى واقع مادي مثبت، يضمن هذا الإنجاز الكمّي أن تمتلك المراصد المستقبلية واسعة النطاق الوضوح اللازم لرسم البنية الخفية للكون.
نُشرت هذه الدراسة أولاً في مجلة Nature.



