العالم
كالينينغراد في لعبة الاستنزاف.. هل تستخدم موسكو "شبح التعبئة" لإرباك أوروبا؟

كشفت مصادر غربية رفيعة المستوى عن تقارير استخباراتية تشير إلى أن موسكو قد تستخدم التلويح بتحركات عسكرية وعمليات تعبئة قرب الحدود الأوروبية، وفي مقدمتها جيب كالينينغراد، ضمن استراتيجية تهدف إلى إبقاء الدول الأوروبية في حالة استنفار مكلفة، واستنزاف جزء من مواردها العسكرية والاقتصادية، بما ينعكس على قدرتها على مواصلة دعم أوكرانيا.
وقالت المصادر لـ"إرم نيوز" إن جانبا من التحركات الروسية والتسريبات المتعلقة بتعزيز القوات أو التحضير لعمليات تعبئة قرب الجناح الشرقي لأوروبا قد يكون مقصودا لرفع مستوى القلق داخل العواصم الأوروبية ودفعها إلى زيادة الإنفاق على الجاهزية وحماية الحدود.
وبحسب المصادر، فإن موسكو تراهن على أن استمرار حالة التأهب الأوروبية سيخلق ضغطا متزايدا على الموارد والقدرات العسكرية، ويضع الحكومات أمام معادلة أكثر صعوبة بين تعزيز دفاعاتها المباشرة ومواصلة تدفق الأسلحة والمساعدات المالية والاقتصادية إلى كييف.
كالينينغراد في قلب الحسابات
وتأتي هذه التقديرات مع تداول تقارير في وسائل إعلام أمريكية، بينها "وول ستريت جورنال"، بشأن احتمال اتجاه روسيا إلى تنفيذ عملية تجنيد واسعة بعد انتخابات سبتمبر المقبل، وسط تركيز خاص على كالينينغراد، الجيب الروسي الواقع بين بولندا وليتوانيا، والعضوين في حلف شمال الأطلسي "الناتو".
وتكتسب كالينينغراد حساسية استراتيجية مضاعفة بسبب موقعها في قلب الجناح الشرقي للحلف؛ ما يجعل أي تحرك عسكري روسي فيها محط متابعة أوروبية دقيقة، خصوصا في ظل استمرار الحرب الأوكرانية وتصاعد المخاوف من انتقال التوتر إلى مناطق تماس أخرى بين روسيا و"الناتو".
استنزاف أوروبي قبل الشتاء
وقال مستشار في لجنة العلاقات الخارجية بالبرلمان الألماني إن موسكو تسعى إلى دفع الأوروبيين نحو رفع مستويات الجاهزية العسكرية؛ ما يفرض إنفاقا إضافيا، وفي الوقت نفسه يضغط على قدرتهم على الحفاظ على مستويات مرتفعة من الدعم العسكري لكييف.
وأضاف المصدر الاستشاري لـ"إرم نيوز" أن هذا الرهان يكتسب أهمية أكبر مع اقتراب فصل الشتاء؛ إذ تسعى روسيا، وفق تقديره، إلى إطالة حرب الاستنزاف على الجبهة الأوكرانية بالتوازي مع زيادة الضغوط على أوروبا، وصولا إلى مرحلة ما بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية التي ستكون نتائجها مؤثرة في شكل السياسة الأمريكية تجاه أوكرانيا خلال عام 2027.
وأشار إلى أن موسكو قد تتجنب، في المقابل، اتخاذ خطوات داخلية مبكرة وواسعة توحي بقرب إعلان تعبئة جماعية، خشية تكرار تداعيات ما جرى عام 2022، عندما أثارت التعبئة الجزئية موجة مغادرة واسعة للروس المؤهلين للخدمة العسكرية وأحدثت ارتباكا داخليا.
ويرى المصدر أن التجربة السابقة ما زالت حاضرة في الحسابات الروسية، خصوصا أن تلك المرحلة تزامنت مع انتكاسات ميدانية سمحت للقوات الأوكرانية باستعادة مناطق مهمة، بينها إيزيوم وكوبيانسك وليمان.
300 ألف جندي
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد تحدث عن اعتزام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تجنيد نحو 300 ألف جندي إضافي بعد انتخابات سبتمبر المقبل.
وتتزامن هذه التصريحات مع تحركات غربية لتعزيز القدرات العسكرية الأوكرانية، بما في ذلك دعم زيادة الإنتاج المحلي من الأسلحة والصواريخ بعيدة المدى، في وقت تتسابق فيه موسكو وكييف على تعزيز قدراتهما البشرية والعسكرية استعدادا للمراحل المقبلة من الحرب.
"بروباغندا غربية"
في المقابل، رفض الدبلوماسي الروسي السابق ألكسندر زاسبكين الرواية الغربية، معتبرا أن الحديث عن تعبئة روسية واسعة أو تصعيد محتمل انطلاقا من كالينينغراد يأتي في إطار حملة إعلامية تهدف إلى قلب صورة التطورات الميدانية في أوكرانيا.
وقال زاسبكين لـ"إرم نيوز" إن ملف التعبئة ليس مطروحا في موسكو بالصورة التي تقدمها بعض التقارير الغربية، مؤكدا أن الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع الدول الأوروبية لا يمثل خيارا روسيا في المرحلة الحالية.
وأضاف أن الرئيس فلاديمير بوتين لا يزال حريصا على عدم توسيع ساحة المواجهة إلى خارج أوكرانيا، رغم وجود أصوات في الداخل الروسي تطالب باستهداف منشآت عسكرية أوروبية مرتبطة بإنتاج الأسلحة والطائرات المسيّرة المستخدمة لدعم كييف.
ووصف زاسبكين الحديث عن تصعيد محتمل حول كالينينغراد بأنه جزء من "البروباغندا الغربية"، معتبرا أن الهدف منه إبقاء المخاوف الأوروبية مرتفعة وتبرير سياسات عسكرية وأمنية إضافية تجاه روسيا.
لكنه أشار في الوقت نفسه إلى أن موسكو تضع مختلف السيناريوهات في حساباتها، وتتخذ إجراءات عسكرية طويلة الأمد لضمان استعدادها لأي تطورات محتملة.
استفزاز محدود لـ"الناتو"
من جهته، يرى خبير الشؤون الأمنية والدفاعية جيمس بوسبوتينيس أن المخاوف الغربية لا ترتبط بالضرورة باحتمال اندلاع حرب روسية واسعة ضد أوروبا، بقدر ما تتركز على إمكانية لجوء موسكو إلى استفزاز محدود لاختبار رد فعل "الناتو".
وقال بوسبوتينيس لـ"إرم نيوز" إن أحد السيناريوهات التي تثير القلق يتمثل في ضربة محدودة أو توغل بري ضيق، معتبرا أن أي تعبئة روسية جديدة محتملة لن تكون بالضرورة مقدمة لتوسيع نطاق الحرب بصورة شاملة.
وأوضح أن جزءا كبيرا من القوات المسلحة الروسية، ولا سيما القوات البرية والجوية والفضائية، منخرط بالفعل في الحرب ضد أوكرانيا، فيما تبقى غالبية القوات البحرية بعيدة عن القتال المباشر باستثناء الوحدات المرتبطة بجبهة البحر الأسود.
وأضاف أن الدفاعات الجوية الروسية تواجه بدورها ضغوطا متزايدة نتيجة الضربات الأوكرانية بعيدة المدى؛ ما يعني أن الدخول في مواجهة جوية مباشرة مع "الناتو" سيضيف عبئا عسكريا كبيرا على موسكو.
حاجة روسية إلى مزيد من الجنود
ورجح بوسبوتينيس أن يكون الهدف الأكثر واقعية لأي موجة تعبئة روسية جديدة هو توفير القوى البشرية اللازمة لاستمرار العمليات داخل أوكرانيا وتعويض الخسائر، وليس التحضير لفتح جبهة واسعة ضد أوروبا.
وأشار إلى تقديرات صادرة عن مراكز بحثية واستراتيجية تضع الخسائر البشرية الروسية الشهرية عند مستويات تتراوح بين 30 و34 ألفا، مقابل نحو 27 ألف مجند جديد شهريا.
وبحسب بوسبوتينيس، تكشف هذه الفجوة حجم الضغط الذي تواجهه موسكو للحفاظ على مستوى قواتها على الجبهة، وتجعل توفير مزيد من القوى البشرية عاملا أساسيا في قدرتها على مواصلة حرب الاستنزاف.
وبين رواية غربية ترى في "شبح التعبئة" أداة روسية لإرهاق أوروبا وإجبارها على توزيع مواردها بين حماية حدودها ودعم أوكرانيا، ورواية روسية تعتبر الملف جزءا من حرب دعائية غربية، تتحول كالينينغراد مجددا إلى إحدى أكثر نقاط التماس حساسية في المواجهة الممتدة بين موسكو والغرب.
آخر الأخبار

جاميسون غرير.. مفاوض ترامب الحاسم الذي يتحدث الفرنسية

الدّفاع المدنيّ: السيطرة على الحريق في جرود البترون

أسينسيو، 23 عاماً، أمام فرصة أخيرة لتجنب جراحة في القصبة


