صحّة
اختلافات أيض الكحول تفسر مخاطر الإدمان والأمراض المرتبطة به
توضح الدراسات أن اختلاف كيفية أيض الكحول في أجسام الأفراد يساهم في تفاوت المخاطر الصحية مثل الإدمان وأمراض الكبد والسرطان.

يتفاوت معدل أيض الكحول بين الأشخاص، وهو ما قد يفسر تفاوت تعرض البعض لمخاطر الإدمان، وأضرار الكبد، والسرطان.
يستطيع الجسم استقلاب كمية محددة من الكحول في الساعة، تعادل تقريباً مشروباً واحداً، بغض النظر عن كمية الاستهلاك. تجاوز هذا الحد يؤدي إلى تراكم الكحول في الدم وحدوث التسمم.
عند تناول مشروب واحد، قد يعود تركيز الكحول في الدم إلى الصفر خلال ساعة إلى ساعتين. لكن تناول كميات أكبر يطيل فترة استقلاب الكحول في الكبد.
تُظهر هذه النتائج أن الجسم يملك قدرة محدودة على تحطيم الكحول في الساعة، مع تفاوت كبير بين الأفراد في سرعة الأيض، مع العلم أن الكحول يُمتص أسرع من استقلابه.
عند تناول الكحول، يمتصه الدم من المعدة والأمعاء، ثم تبدأ إنزيمات الكبد في تحطيم جزيئات الكحول. الإنزيمان الرئيسيان هما الكحول ديهيدروجيناز (ADH) وألدهيد ديهيدروجيناز (ALDH)، حيث يحول الأول الكحول إلى أسيتالدهيد، الذي يتحول بسرعة إلى أسيتات بواسطة إنزيمات أخرى.
رغم وجود أسيتالدهيد لفترة قصيرة في الجسم، فإنه سام ومعروف بأنه مادة مسرطنة.
يتم أيض معظم الكحول في الكبد، بينما تُطرح كميات صغيرة منه عبر تكوين استرات حمضية دهنية إيثيلية (FAEEs) التي قد تضر الكبد والبنكرياس. كما يُطرح جزء صغير من الكحول غير المهضوم عبر النفس والبول، وهو الأساس في قياس تركيز الكحول في الدم.
يُسبب أسيتالدهيد أضراراً كبيرة للكبد، حيث يتم تحطيم معظم الكحول إلى هذا المركب السام. كما يُستقلب الكحول في البنكرياس والدماغ، حيث يمكن أن يتلف أسيتالدهيد الخلايا والأنسجة.
يتم أيض كميات قليلة من الكحول في الجهاز الهضمي، حيث يمكن أن يتلف أسيتالدهيد الأنسجة هناك أيضاً. ويعتقد بعض الباحثين أن تأثيرات أسيتالدهيد تتجاوز الضرر النسيجي لتشمل بعض التأثيرات السلوكية والفسيولوجية المرتبطة بالكحول.
أظهرت دراسات على الحيوانات أن أسيتالدهيد في الدماغ يساهم في التأثيرات السلوكية للكحول، مثل فقدان الحكم، وانخفاض التركيز، وضعف التنسيق الحركي.
عند إعطاء أسيتالدهيد للحيوانات المختبرية، لوحظت اضطرابات في التنسيق، وضعف في الذاكرة، والنعاس. لكن الاعتقاد السائد هو أن أسيتالدهيد وحده لا يمكنه إحداث هذه التأثيرات بسبب وجود الحاجز الدموي الدماغي الذي يحمي الدماغ من السموم في الدم.
مع ذلك، عندما يتم أيض الكحول بواسطة إنزيمات الكاتالاز وCYP2E1، وهو ما يحدث عند تناول كميات كبيرة، يمكن إنتاج أسيتالدهيد داخل الدماغ نفسه.
أسيتات الناتج من تحلل أسيتالدهيد يمكنه عبور الحاجز الدموي الدماغي والتأثير على ناقل عصبي مثبط يُدعى GABA، مما يؤدي إلى ضعف الوظائف الحركية.
يُعد حجم الكبد وكتلة الجسم من العوامل المؤثرة في كمية الكحول التي يمكن أيضها في الساعة، لكن التركيب الجيني للفرد يُعتبر العامل الأهم في كفاءة تحطيم الكحول وإزالته.
تختلف أنزيمات ADH وALDH بين الأفراد بسبب اختلافات جينية، حيث يمتلك بعض الأشخاص أنزيمات ذات كفاءة أقل أو أعلى في تحطيم الكحول إلى أسيتالدهيد ثم إلى أسيتات.
ببساطة، بعض الأشخاص يحطمون الكحول إلى أسيتالدهيد أو يحولون الأسيتالدهيد إلى أسيتات بسرعة مختلفة عن الآخرين.
في حال كان لدى الشخص إنزيم ADH سريع أو إنزيم ALDH بطيء، قد يتراكم أسيتالدهيد السام في الجسم، مما يسبب تأثيرات ضارة أو غير مرغوبة عند شرب الكحول.
تمتاز النساء بامتصاص وأيض مختلف للكحول مقارنة بالرجال، حيث أظهرت الأبحاث أن نشاط إنزيم ADH في معدة النساء أقل، مما يسمح بنسبة أكبر من الكحول بالوصول إلى الدم قبل أيضه.
قد يفسر ذلك تعرض النساء اللواتي يشربن الكحول لمخاطر أكبر للإصابة بأمراض الكبد، وتلف عضلة القلب، وتلف الدماغ مقارنة بالرجال.
تلعب العوامل الجينية دوراً في قابلية الإصابة باضطرابات استخدام الكحول، إذ توجد نسخ جينية معينة تؤدي إلى تراكم أسيتالدهيد بدرجة تسبب احمرار الوجه، والغثيان، وتسارع ضربات القلب حتى مع استهلاك معتدل للكحول.
تنتشر هذه النسخة الجينية بين شعوب الصين واليابان وكوريا، حيث يعمد كثيرون منهم إلى تقليل شرب الكحول بسبب الأعراض المزعجة. حوالي 36% إلى 45% من الأشخاص ذوي الأصول الآسيوية الشرقية يعانون من هذه الأعراض عند تناول كميات صغيرة من الكحول.
تُعتبر هذه النسخة الجينية وقائية ضد الإدمان على الكحول، وهي نادرة بين الأوروبيين والأفارقة. كما توجد نسخة أخرى، ADH1B*3، لدى حوالي 25% من السود وتوفر حماية ضد الإدمان.
مع ذلك، تشير بعض الأبحاث إلى أن نسخاً من إنزيم ALDH مثل ALDH1A1*2 وALDH1A1*3 قد ترتبط بالإدمان على الكحول لدى الأفراد السود.
وفقاً لمعهد الوطني لتعاطي الكحول والإدمان، يُعزى حوالي نصف خطر الإصابة باضطرابات استخدام الكحول إلى العوامل الجينية، بينما يشكل النصف الآخر عوامل بيئية واجتماعية.
الأطفال الذين ينشأون في أسر تعاني من اضطرابات استخدام الكحول هم أكثر عرضة للمشاكل ذاتها، ويُعتقد أن ذلك يعود جزئياً إلى عوامل جينية مشتركة، فضلاً عن تأثيرات بيئية واجتماعية.
على سبيل المثال، ارتفعت نسبة اضطرابات استخدام الكحول بين اليابانيين الذين يحملون الجين الوقائي ADH1B*2 من 2.5% إلى 13% بين عامي 1979 و1992، مما يشير إلى أن عوامل أخرى قد تتغلب على الحماية الجينية.
في الولايات المتحدة، تموت نسبة أكبر من الأمريكيين الأصليين بسبب أسباب مرتبطة بالكحول مقارنة بأي مجموعة عرقية أخرى، لكن الدراسات لم تجد اختلافاً في أنماط الإنزيمات أو معدلات أيض الكحول بين الأمريكيين الأصليين والقوقازيين، مما يدل على وجود عوامل أخرى تؤثر في تطور مشاكل الكحول.
يرتبط الاستهلاك المفرط أو المزمن للكحول بالعديد من المشاكل الصحية السلبية والآثار الضارة طويلة الأمد، وبعض هذه المشاكل مرتبطة مباشرة بعملية أيض الكحول وإنتاج أسيتالدهيد.
تُرتبط التأثيرات السامة لأسيتالدهيد بتطور سرطانات الفم، والحنجرة، والجهاز التنفسي العلوي، والكبد، والقولون، والثدي.
من المفارقات أن الجينات التي تحمي بعض الأفراد من الإدمان قد تزيد من تعرضهم لخطر الإصابة بالسرطان، إذ تنتج أجسامهم المزيد من أسيتالدهيد عند تناولهم الكحول، حتى بكميات معتدلة.
يُعتبر الكبد العضو الأكثر عرضة لأضرار الكحول، لأنه مسؤول عن أيض معظم الكحول وإنتاج معظم أسيتالدهيد. أكثر من 90% من المدمنين على الكحول يصابون بالكبد الدهني.
يُصاب حوالي 10% إلى 15% من المدمنين على الكحول بالتهاب البنكرياس الكحولي، على الرغم من أن بعض أيض الكحول يحدث في البنكرياس، ويُتعرض البنكرياس لمستويات عالية من أسيتالدهيد وFAEEs. عوامل أخرى مثل التدخين والنظام الغذائي وأنماط الشرب قد تلعب دوراً، لكن لم تُثبت علاقة مؤكدة بينها وبين التهاب البنكرياس.
لا يؤدي استهلاك الكحول بالضرورة إلى زيادة الوزن، رغم احتوائه على سعرات حرارية مرتفعة نسبياً. فبين الأشخاص النحيفين، لا يسبب الشرب المعتدل زيادة في الوزن، لكن الدراسات أظهرت أن إضافة الكحول إلى نظام غذائي للأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن يسبب زيادة في الوزن.
يساهم أيض الكحول عند الرجال في إصابة الخصيتين، ويؤثر سلباً على إنتاج هرمون التستوستيرون وتكوين الحيوانات المنوية، وقد يؤدي نقص التستوستيرون المستمر إلى تغييرات أنثوية مثل تضخم الثدي.
أما عند النساء، فقد يؤدي أيض الكحول إلى زيادة إنتاج هرمون الإستراديول وتقليل أيضه، مما يرفع مستوياته، ويساهم الإستراديول في زيادة كثافة العظام وتقليل مخاطر أمراض الشرايين التاجية.
يؤثر استهلاك الكحول على أيض العديد من الأدوية، حيث يزيد من نشاط بعضها ويقلل فعالية البعض الآخر.
وقد وُجد أن الشرب المزمن الثقيل ينشط إنزيم CYP2E1، الذي يمكنه تحويل الباراسيتامول إلى مادة سامة تسبب تلف الكبد حتى عند تناول جرعات علاجية عادية.
تواصل الأبحاث الممولة من المعهد الوطني لتعاطي الكحول دراسة كيف تؤثر اختلافات أيض الكحول على أسباب شرب البعض أكثر من غيرهم، ولماذا يصاب بعضهم بمشاكل صحية خطيرة مرتبطة بالكحول.
يعتقد الباحثون أن فهم كيفية تحطيم وإزالة الكحول من الجسم قد يكون مفتاحاً لشرح هذه الفروقات، وقد تساعد الأبحاث المستمرة في تطوير علاجات تعتمد على الأيض للأشخاص المعرضين لمخاطر صحية بسبب الشرب.
تشمل العلاجات المعتمدة حالياً لاضطرابات استخدام الكحول:
العلاج النفسي: يركز على مساعدة الأشخاص في التعرف على المحفزات، وتحديد الأهداف، وتطوير مهارات التكيف، مع استخدام أنواع مثل العلاج السلوكي المعرفي، والعلاج التحفيزي، وإدارة الطوارئ، والتدخلات القائمة على القبول واليقظة الذهنية.
الأدوية: قد توصف أدوية لتقليل الرغبة في الشرب وأعراض الانسحاب، مثل أكامبروسيت، ديسلفيرام، أو نالتريكسون.
مجموعات الدعم: توفر مجموعات التعافي المتبادلة، مثل تسهيل الخطوات الاثنتي عشرة، دعماً وتشجيعاً يساعد على الحفاظ على الامتناع عن الشرب على المدى الطويل.
تختلف العلاجات حسب حاجة الفرد، وغالباً ما يكون الجمع بين العلاج النفسي، والأدوية، ومجموعات الدعم هو الأكثر فاعلية.
آخر الأخبار

نائب الرئيس الأمريكي يوضح تصريحات ترامب حول التضخم وتأثير الحرب

مسيّرات انتحارية وقنّاصة.. إحباط خطة جديدة لاغتيال ترامب

دينو زوف يؤيد سعي يوفنتوس للتعاقد مع مارتينيز رغم شخصيته الغريبة


