ثقافة ومجتمع

في الآونة الأخيرة، تصدّرت حركة "اللاءات الأربع" المعروفة اختصارًا بـ"4B" المشهد النسوي في كوريا الجنوبية، حيث تدعو هذه الحركة النساء إلى الامتناع عن ممارسة الجنس مع الرجال، وعدم الدخول في علاقات عاطفية، والابتعاد عن الزواج والإنجاب. ورغم أن البعض اعتبرها ظاهرة عابرة كغيرها من الظواهر الثقافية الكورية، إلا أن الحركة تحمل أبعادًا أعمق بكثير، تتعلق بالتمرد على البنى الاجتماعية التقليدية.

تسعى هذه الحركة، التي اكتسبت شعبية كبيرة منذ أواخر العقد الماضي، إلى مواجهة التمييز الجندري الراسخ في المجتمع الكوري. تشير الدراسات إلى أن النساء في كوريا الجنوبية يعانين من فجوة كبيرة في الأجور مقارنة بالرجال تصل إلى 32%، ويتحملن عبئًا كبيرًا من الأعمال المنزلية والرعائية غير المدفوعة، بالإضافة إلى تصاعد حالات العنف الأسري. ولهذا، فإن العديد من النساء يفضلن البقاء عازبات، هربًا من الأعباء غير العادلة التي تُلقى على عاتقهن.
تقول د. فاطمة إبراهيم، مؤسسة مبادرة "ذا سكس توك بالعربي"، إن حركة "اللاءات الأربع" تتجاوز كونها مجرد دعوة للإضراب عن الجنس، بل تمثل احتجاجًا شاملًا على النظام الأبوي الذي يعتمد بشكل كبير على الأدوار غير المدفوعة التي تؤديها النساء. وتضيف أن هذه الحركة تهدف إلى إحداث ضغط على الرجال والمؤسسات التي تستفيد من هذا النظام.
الحركة لاقت اهتمامًا عالميًا، خصوصًا مع تزايد النقاش حول تأثيرها على معدلات الولادة في كوريا الجنوبية، التي تُعد الأدنى عالميًا، حيث وصلت إلى 0.72 طفل لكل امرأة في عام 2024. في محاولة لمعالجة هذه الأزمة، تقدم الحكومة الكورية الجنوبية حوافز مالية وبرامج لدعم التوازن بين العمل والحياة، لكنها تواجه انتقادات واسعة بسبب تركيزها على زيادة معدلات الزواج والإنجاب بدلًا من معالجة الجذور العميقة للمشكلة.
اللافت أن تأثير هذه الحركة تجاوز الحدود الكورية، حيث ظهرت دعوات لتطبيق نموذج مشابه في الولايات المتحدة، خاصة بعد فوز دونالد ترامب بالرئاسة. تقول المحامية باولا سلوان ضاهر إن الدعوات للإضراب عن الجنس جاءت كرد فعل على تراجع الحقوق الإنجابية والجندرية في ظل سياسات ترامب. وتشير إلى أن هذه الاستراتيجية ليست جديدة، بل استُخدمت في سياقات تاريخية متعددة لتحقيق مطالب سياسية واجتماعية.
وشهدت دول عدّة في التاريخ الحديث، تحرّكات جماعية تحت عناوين الإضراب عن الجنس، بهدف تحقيق مطالب سياسية أو اجتماعية:
ليبيريا: في عام 2003، نظمت ليما غبوي ونساء "حركة العمل الجماعي من أجل السلام" في ليبيريا احتجاجات سلمية، تضمنت الدعوة لإضراب عن الجنس، مما ساهم في إنهاء الحرب الأهلية التي استمرت 14 عاماً. وحصلت غبوي على جائزة نوبل للسلام عام 2011 تقديراً لدورها.
كينيا: في عام 2009، نظمت ناشطات كينيات إضراباً استمر سبعة أيام، بمشاركة زوجتي رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء، للضغط على القادة لحل خلافاتهم والتركيز على قضايا مثل الفساد والفقر. انتهى الإضراب بجلسة صلاة ودعاء مشتركة تعهّد خلالها السياسيون بالتوصل إلى تسوية.
كولومبيا: في عام 2006، أطلقت نساء في مدينة بيرييرا الكولومبية إضراباً عن الجنس لمكافحة العنف بين العصابات. عام 2010، سجّلت البلاد انخفاضاً بمعدل جرائم القتل بنحو 26.5 بالمئة. وفي عام 2011، نظّمت نساء في بلدة بارباكواس إضراباً للمطالبة بإصلاح الطرق، وانتهى بعد 112 يوماً عندما التزمت الحكومة بالشروع في أعمال البناء.
من شهرزاد إلى أثينا
النقاش حول أجساد النساء كساحة لصراعات سياسية وإيديولجية، وكوسيلة للتفاوض على حقوق ومكتسبات، قديم ويتجدّد في كلّ مرّة، وقد شكّل محوراً لأعمال أدبيّة وفنيّة كثيرة، منها ما تطرّق للإضراب عن الجنس، أو لوسائل و"حِيَل" مماثلة، استخدمتها شخصيات نسائية لنيل غاياتهنّ.
شهرزاد، الحكواتية الأولى، استدرجت شهريار بالحكاية طيلة ألف ليلة وليلة، لتنقذ نفسها من القتل المحتّم. أنجب بطلا الملحمة الشعبية الشهيرة أولاداً كما يخبرنا الكتاب، ما يعني أن شهرزاد لم تُضرب عن الجنس، بل استخدمت حيلتها وذكاءها كأداة تطويع للبطش، وحوّلت موازين القوة لصالحها، عبر إحداث تغيير في عقل المتلقّي وهو زوجها الحاكم.
تتداخل في شخصية شهرزاد الحدود بين الحميم والمعلن، بين الخاص والعام، بين الشخصي والسياسي، وكلها حدود أُجبرت النساء على مرّ التاريخ على تطويعها لاكتساب حقوق أساسيّة، وزعزعة المنظومة، وإعادة تشكيل السلطة، وكسر دورات العنف، وحفر مساحة لهنّ في المجتمع.
تدور مجريات حيلة شهرزاد الشهيرة، في الحيّز الخاص، "مملكة النساء"، حيث "مكانهنّ الطبيعي"، لكن تأثيرها يطال الحيّز العام، حيث عالم القوّة والحكم والسياسة، مملكة زوجها أو مكان "الرجال الطبيعي". فمن خلال الصفح عن زوجته، يتصالح شهريار مع كلّ النساء في المملكة.
تيمة الإضراب عن الجنس، وثورة النساء على أدوارهنّ المرسومة في الحيّز الخاص، بهدف إحداث تغيير عام، نجدها أيضاً في مسرحية "إضراب النساء/ لِيسِسترَاتا" التي كتبها الكاتب الإغريقي أرسطفان وعُرضت لأول مرة عام 411 قبل الميلاد.
بطلة الكوميديا الساخرة امرأة أثينية اسمها لِيسِسترَاتا (يعني الاسم حرفياً المرأة التي تسرّح الجنود من الخدمة)، تحرّض النساء للإضراب عن الجنس، من أجل إيقاف الحرب بين أثينا وإسبرطة. وتحثّ البطلة رفيقاتها على التمرّد، لأنهنّ أكثر المتضرّرات من الحرب وإن لم يكن لهنّ خيار فيها، إذ يخسرن أزواجهنّ، وأولادهنّ، ويمضين شبابهنّ وحيدات بانتظار عودة المحاربين.
تنضمّ النساء لدعوتها، ويتجمعن في مبنى الأكروبوليس في أثينا، ويستولين على خزائن الدولة. تتضمن المسرحية حوارات تسخر من النظم الاجتماعية في أثينا القديمة، ومن الأدوار الموكلة للنساء والرجال، ومن تحييد النساء عن الشأن العام بالرغم من أنهنّ، كما يكتب أرسطفان، الأنفع لإدارته إن استلهمن طرقهنّ المبدعة في إدارة شؤون منازلهنّ.
صحيح أن تلك المسرحية عرضت قبل أكثر من 2400 عام، إلا أن مواضيعها، للمفارقة، بقيت راهنة على مرّ العصور وصولاً إلى يومنا. لذلك استعيدت بنسخ عدّة، منها فيلم "البنات" (1968) وفيه تعمل ثلاث ممثلات شهيرات على تحضير نسخة معاصرة من مسرحية أرسطفان. ومن أحدث التأويلات فيلم "شي راك" (2016) لسبايك لي ويدور على خلفية حروب العصابات في مدينة شيكاغو الأمريكية.
هناك أيضاً فيلم "عين النسا" (2011) الذي تدور أحداثه في قرية مغربية نائية، تضرب فيها النساء عن الجنس لأن الرجال لا يقومون بأي دور مفيد لمساعدتهنّ في الأعباء الحياتية اليومية.
في الفيلم كما في مسرحية أرسطفان، ينجح الإضراب، وتنال النساء مطالبهنّ. لكن، هل بإمكان إضراب مماثل أن ينجح في وقتنا وظرفنا الراهن؟
تقول باولا سلوان ضاهر إن من "أبرز الانتقادات الموجهة إلى الإضرابات عن الجنس أنها تعدّ "ترفاً" لا يمكن لجميع النساء ممارسته، خصوصاً اللواتي يعشن في بيئات عنف أو في علاقات مسيئة، ما يجعلها وسيلة لا يمكن أن تشمل كلّ النساء على اختلاف ظروفهنّ".
وذلك ما تشير إليه فاطمة إبراهيم، عند سؤالها حول إمكانية تطبيق تحرّك مماثل في منطقتنا العربية. تقول: "قد يكون ذلك أمراً معقداً بسبب العوائق الاجتماعية والدينية والاقتصادية. فالخطاب الديني في مجتمعاتنا يلعب دوراً مهيمناً في تأطير العلاقات الحميمية والأسرية، ويُنظر إلى امتناع الزوجة عن الجنس على أنه من الأمور المرفوضة. إضافة إلى ذلك، تعتمد العديد من النساء اقتصادياً على أزواجهن، ولا يكون لديهنّ مصادر أخرى لتأمين معيشتهنّ، مما يجعل خيار الإضراب غير واقعيّ بالنسبة لهنّ".
لكن تطبيق هذه الاستراتيجية في المجتمعات العربية يواجه تحديات معقدة. تؤكد د. فاطمة إبراهيم أن العوائق الاجتماعية والدينية والاقتصادية تجعل من الصعب اعتماد مثل هذه الوسائل. فالخطاب الديني المهيمن في المنطقة غالبًا ما يرفض فكرة امتناع الزوجة عن العلاقة الحميمية، بالإضافة إلى اعتماد الكثير من النساء اقتصاديًا على أزواجهن، مما يجعل خيار الإضراب غير واقعي.
الإضراب عن الجنس ليس مجرد وسيلة لتحقيق مطالب سياسية، بل يمثل أيضًا شكلاً من أشكال استعادة السيادة على الجسد. ومع ذلك، تواجه هذه الفكرة انتقادات بأنها ترفٌ لا يمكن لجميع النساء ممارسته، خصوصًا اللواتي يعشن في بيئات عنيفة أو في علاقات مسيئة.
يبقى السؤال: هل يمكن لمثل هذه الحركات أن تكون وسيلة فعّالة في تحقيق التغيير في مجتمعاتنا؟ أم أنها تظل حكرًا على سياقات اجتماعية وثقافية محددة؟ رغم صعوبة الإجابة، فإن تاريخ الإضرابات عن الجنس يثبت قدرتها على إحداث تغيير ملموس في بعض الحالات.
كأس العالم ٢٠٢٦
اخبار لبنان
العالم
اخبار لبنان