Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

ثقافة ومجتمع

تجربة دمية بوبو تكشف كيف يتعلم الأطفال العدوان من الملاحظة

أظهرت تجربة دمية بوبو بقيادة ألبرت باندورا أن الأطفال يكتسبون السلوك العدواني عبر مراقبة الكبار، مع وجود انتقادات كثيرة للدراسة.

··قراءة 4 دقائق
تجربة دمية بوبو تكشف كيف يتعلم الأطفال العدوان من الملاحظة
مشاركة

أجريت تجربة دمية بوبو تحت إشراف ألبرت باندورا، حيث بينت أن الأطفال يكتسبون السلوك العدواني من خلال ملاحظة تصرفات الكبار العدوانية. هذه الدراسة أثارت نقاشات واسعة حول تأثير التعلم بالملاحظة على سلوك الأطفال، خصوصاً فيما يتعلق بالعنف في وسائل الإعلام، رغم تعرضها لانتقادات متعددة.

شارك في التجربة 36 صبياً و36 فتاة من روضة جامعة ستانفورد، تراوحت أعمارهم بين 3 إلى ما يقارب 6 سنوات. قُسم الأطفال إلى ثلاث مجموعات: مجموعة شاهدت نموذجاً بالغاً يتصرف بعدوانية، وأخرى شاهدت نموذجاً غير عدواني، ومجموعة ضابطة لم تتعرض لأي نموذج بالغ.

تم تقسيم كل مجموعة إلى فرعين حسب الجنس، حيث تعرض نصف الأطفال لنموذج بالغ من نفس الجنس، والنصف الآخر لنموذج بالغ من الجنس المعاكس. أُجريت التجربة بشكل فردي لضمان عدم تأثر سلوك الطفل بوجود أطفال آخرين.

في البداية، دخل الطفل غرفة ألعاب بها أنشطة متنوعة، ثم دخل النموذج البالغ إلى الغرفة. في حالة النموذج غير العدواني، كان البالغ يلعب بالألعاب ويتجاهل دمية بوبو، أما في حالة النموذج العدواني فكان البالغ يهاجم الدمية بعنف، حيث كان يلكمها، يضربها بمطرقة، يرميها في الهواء ويركلها، بالإضافة إلى استخدام عبارات عدوانية مثل "اركله" و"بوم". كما أضاف النموذج عبارات غير عدوانية مثل "إنه قوي جداً" و"يعود دائماً للمزيد".

بعد تعرض الطفل للنموذج لمدة عشر دقائق، نُقل إلى غرفة أخرى تحتوي على ألعاب جذابة مثل مجموعة دمى، سيارة إطفاء وطائرة لعبة. سُمح له باللعب لمدة دقيقتين فقط، ثم أُخبر بعدم اللعب مجدداً بهذه الألعاب، بهدف إثارة شعور بالإحباط.

في المرحلة الأخيرة، وُضع الطفل في غرفة تحتوي على ألعاب عدوانية مثل مطرقة، كرة مربوطة مزينة بوجه، بنادق سهام، ودمية بوبو، بالإضافة إلى ألعاب غير عدوانية كالأقلام الملونة والورق والدمى والحيوانات البلاستيكية والشاحنات. سمح للطفل باللعب في هذه الغرفة لمدة 20 دقيقة، وتمت مراقبة سلوكه من خلف مرآة ذات اتجاه واحد لتقييم مستوى العدوانية.

توقع باندورا عدة نتائج، منها أن الأولاد سيتصرفون بعدوانية أكثر من البنات، وأن الأطفال الذين شاهدوا نموذجاً بالغاً عدوانياً سيقلدون هذا السلوك حتى في غياب النموذج، وأن الأطفال يميلون لتقليد نماذج من نفس الجنس أكثر من الجنس الآخر، وأن الأطفال الذين شاهدوا النموذج غير العدواني سيكونون أقل عدوانية من أولئك الذين شاهدوا النموذج العدواني أو المجموعة الضابطة.

أظهرت النتائج توافقاً مع بعض التوقعات، حيث كان الأولاد أكثر عدوانية بأكثر من ضعف البنات، وقلد الأطفال السلوك العدواني الذي شاهدوه حتى بعد غياب النموذج. لكن كان هناك استثناء، إذ أن الأولاد الذين شاهدوا نموذجاً غير عدواني من الجنس المعاكس أظهروا سلوكاً عنيفاً أكثر من المجموعة الضابطة.

لوحظت فروق بين الجنسين في تقليد النماذج، حيث تأثر الأولاد أكثر بسلوك الرجال العدواني، بينما كانت البنات أكثر ميلاً لتقليد العدوان اللفظي. كما أظهرت الدراسة أن الأطفال قد يتعلمون العدوان من خلال الملاحظة، وأن سلوك النماذج البالغة يؤثر في تصوراتهم عن قبول هذا السلوك.

ساهمت تجربة دمية بوبو في تعزيز نظرية التعلم الاجتماعي لباندورا التي تؤكد أن التعلم يحدث عبر الملاحظة والتفاعل مع الآخرين، مع التركيز لاحقاً على عناصر معرفية مثل الكفاءة الذاتية والتنظيم الذاتي والتوقعات. وأظهرت الدراسة أن الأطفال قد يتعلمون العدوان كرد فعل على الإحباط، لكنهم أيضاً قادرون على التعلم من عواقب أفعالهم.

في دراسة متابعة عام 1965، وجد باندورا أن الأطفال يميلون لتقليد السلوك العدواني أكثر إذا كان النموذج يُكافأ على أفعاله، وأقل إذا رأوا النموذج يُعاقب أو يُوبخ على سلوكه العدواني.

تساعد نتائج هذه التجربة في تفسير سلوكيات بشرية متعددة، مثل تقليد الأطفال لسلوك العنف المنزلي الذي يشاهدونه، مما قد يؤدي إلى سلوك عدواني متكرر لديهم. كما تسلط الضوء على ظاهرة التنمر، حيث يستمر التنمر في بيئات العمل إذا لم تُفرض عقوبات عليه.

مع ذلك، تعرضت تجربة دمية بوبو لانتقادات عدة، منها التشكيك في مدى تطبيق نتائجها على الواقع، حيث أن الاعتداء على دمية في مختبر يختلف عن العنف ضد إنسان في الحياة الحقيقية. كما أشار بعض النقاد إلى أن الأطفال قد يكونون يحاولون إرضاء البالغين بدلاً من التعبير عن عدوان حقيقي، وأنهم لم يؤذوا الدمية فعلياً ولا يعتقدون أنهم يؤذونها.

كما أثار بعض الباحثين تساؤلات حول تأثير إحباط الأطفال عمداً خلال التجربة، معتبرين أن ذلك قد يكون بمثابة تعليم للعدوان. إضافة إلى ذلك، لم يتضح ما إذا كان الأطفال عدوانيين بالفعل أم مجرد مقلدين للسلوك دون نية عدوانية، خاصة مع جمع البيانات فورياً دون متابعة طويلة الأمد.

كما لوحظ وجود تحيزات محتملة لدى الباحثين الذين قد يكونون أكثر ميلاً لتفسير سلوك الأطفال على أنه عدواني بسبب معرفتهم بإحباطهم. بالإضافة إلى ذلك، شملت العينة أطفالاً من خلفية عرقية واجتماعية محدودة، مما يصعب تعميم النتائج على مجموعات أوسع وأكثر تنوعاً.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة