Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

تكنولوجيا وعلوم

فيزيائيو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا يراقبون تشكُّل الموجتين الإلكترونيتين في إيربيوم ثلاثي التيلوريوم

في تجربة جديدة، راقب فريق من الفيزيائيين في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا تشكُّل وعودة موجتين إلكترونيتين مختلفتين في مادة كمومية عند درجات حرارة منخفضة جدًّا، ما قد يساعد في فهم الظواهر الكمومية المعقدة مثل الموصلية الفائقة.

··قراءة 3 دقائق
فيزيائيو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا يراقبون تشكُّل الموجتين الإلكترونيتين في إيربيوم ثلاثي التيلوريوم
مشاركة

أجرى باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) تجربةً جديدةً تتيح لأول مرة مشاهدة لحظية لظهور وانهيار وعودة مراحل إلكترونية مختلفة داخل مادة كمومية — وهي خطوة قد تساهم مستقبلًا في تفسير الموصلية الفائقة وظواهر غريبة أخرى.

التجربة تكشف عن وجود موجتين إلكترونيتين

ركَّز الفريق دراسته على مادة إيربيوم ثلاثي التيلوريوم، وهي مادة نادرة تحتوي عناصر أرضية نادرة، وتتميَّز بقدرة إلكتروناتها على التنظُّم تلقائيًّا في أنماط موجية تُعرف بموجات كثافة الشحنة (CDWs). وأظهرت التجربة أن هاتين الموجتين الإلكترونيتين لا تظهران بالطريقة نفسها: إذ تتشكَّل الأولى تدريجيًّا وبشكل منتظم، بينما تظهر الثانية في مناطق معزولة ثم تتوسَّع تدريجيًّا.

ونُشِرت النتائج في مجلة Nature Physics، وقد تقدِّم دلالات مهمة حول كيفية ظهور الحالات الإلكترونية المعقدة — ومنها الموصلية الفائقة والمغناطيسية — وكيف تتفاعل هذه الحالات داخل المواد الكمومية.

وفي الظروف العادية، تتوزَّع الإلكترونات في إيربيوم ثلاثي التيلوريوم بشكل نسبيٍّ متجانس. لكن عند خفض درجة حرارة المادة، تبدأ الإلكترونات في التنظُّم الجماعي على شكل نمط موجي متكرِّر يُسمَّى موجة كثافة الشحنة. ويمكن تخيُّل هذه الموجة كمنطقة إلكترونية تضم تركيزًا أعلى من الإلكترونات في بعض الأجزاء، بينما تحتوي الأجزاء المجاورة على عدد أقل منها، بحيث لا تتصرف الإلكترونات بشكل منفصل، بل تنسق سلوكياتها في عدد كبير لتكوين حالة مرتبة.

وتكتسب مادة إيربيوم ثلاثي التيلوريوم أهميتها من قدرتها على تطوير موجتين مختلفتين لكثافة الشحنة. فالنمط الأول، أو المهيمن، يظهر عند تبريد المادة إلى حوالي −8°م، ويمتد أساسًا في اتجاه واحد. أما عند التبريد الشديد أكثر — إلى نحو −113°م — فيظهر نمط ثانٍ عموديٌّ على النمط الأول.

والنتيجة هي ما يشبه لوحة إلكترونية على شكل رقعة شطرنج: نمطان مختلفان يتعايشان في نفس المادة. وهذا يثير لدى الفيزيائيين سؤالًا محوريًّا: كيف يظهر النمط الثاني فعليًّا؟ هل يظهر في كل مكان دفعة واحدة؟ أم ينمو تدريجيًّا؟ أم يبدأ في نقطة معينة ثم ينتشر؟ وكان الإجابة عن هذا السؤال صعبة للغاية حتى وقت قريب.

إثارة المادة ثم مراقبة استعادتها

ولدراسة هذه العملية، برَّد الفريق عيِّنات من إيربيوم ثلاثي التيلوريوم ذات سماكة ذرية إلى درجة حرارة تقارب −230°م، حيث يمكن للموجتين الإلكترونيتين أن تتواجدًا معًا. واستخدم الباحثون تقنية ليزر متقدمة من نوع «ضخ-كشف» (pump-probe).

فأرسلت النبضة الليزرية الأولى ما يُشبه «الهزَّة» التي أخلَّت بالنمط الإلكتروني على شكل رقعة شطرنج أو دمرته مؤقتًا. وبعد تأخير مضبوط بدقة، أُطلقت نبضة ليزرية ثانية على العينة، فأسفرت عن طرد إلكترونات من المادة.

وبقياس الطاقة والزخم للإلكترونات المنطلقة، تمكَّن الباحثون من إعادة بناء لقطات زمنية لما كان يحدث داخل المادة أثناء عودة ترتيبها الإلكتروني. وبعبارة مبسَّطة، أحدث العلماء اضطرابًا في النظام ثم راقبوا طريقة عودته إلى حالته الأصلية.

ويصف الفيزيائي نوح جديك من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا هذه المقاربة بأن الفريق «يهز» النظام ثم «يستمع» إلى استجابته، ما منح الفريق وسيلةً قيمةً جدًّا لمراقبة ديناميكيات النمطين الإلكترونيين بشكل منفصل.

عدم التماثل في آلية العودة بين النمطين

وأفضت التجربة إلى نتيجة مفاجئة: فقد عاد النمط المهيمن لكثافة الشحنة تدريجيًّا وبشكل منتظم. وحتى عند إحداث اضطراب قوي في المادة، أعاد النظام ترتيبه الإلكتروني بسلاسة عبر العينة بأكملها.

وهذا السلوك يشبه نوعًا مألوفًا من التحوُّلات الطورية يُعرف باسم «التحول من الرتبة الثانية». ويُقارن الباحثون هذا السلوك بفقدان المادة لمغناطيسيتها تدريجيًّا عند تسخينها: فلا تظهر مناطق معزولة كبيرة فجأة، بل يتغير الترتيب بشكل مستمر.

أما النمط الثاني، الأقل هيمنةً لكثافة الشحنة، فقد سلك مسارًا مختلفًا تمامًا.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة