Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

تكنولوجيا وعلوم

اكتشاف أول دليل مباشر على قدرة الجويثيت على نقل الماء إلى الغلاف الصخري السفلي

فريق برازيلي يحلّل ماسة فائقة العمق باستخدام مسرّع سيريوس، ويُثبت لأول مرة أن معدن الجويثيت يمكنه البقاء في ظروف الغلاف الصخري السفلي وحمل الماء من سطح الأرض إلى أعماق تصل إلى 1250 كيلومترًا.

··قراءة 5 دقائق
اكتشاف أول دليل مباشر على قدرة الجويثيت على نقل الماء إلى الغلاف الصخري السفلي
مشاركة

أظهر تحليل أُجري في مسرّع الجسيمات «سيريوس» في البرازيل أن معدن الجويثيت (FeOOH) قادرٌ على حمل جزيئات الماء من سطح الكوكب إلى طبقات الغلاف الصخري السفلي، ما يدعم فرضية جديدة حول آلية انتقال الماء إلى الأعماق الجيولوجية.

ماسة فائقة العمق تحمل شواهد ميكروسكوبية

بدأ التحقيق في يوليو 2018 مع زيارة لتعاونية عمال مناجم الذهب في منطقة شاباداو قرب مدينة جوينا بولاية ماتو غروسو. وقد قدّمت التعاونية لمجموعة الباحثين ماساتٍ فائقة العمق، تشكّلت على عمق يتجاوز 300 كيلومتر تحت سطح الأرض — وهي أعمق بكثير من معظم الماسات التي تتكوّن عند عمق نحو 150 كيلومترًا. وتصل هذه الماسات إلى السطح عبر الحمم البركانية المرتبطة بالانفجارات البركانية.

وتتميّز الماسات الفائقة العمق عادةً بشكلها غير المنتظم واحتوائها على شظايا داكنة من مواد محبوسة أثناء تكون البلورات، وتُعرف هذه الشظايا باسم «الشواهد المعدنية». ورغم أنها لا تُقدّر عادةً في المجوهرات، فإن قيمتها العلمية تفوق قيمة الماس المحيط بها، لأنها تحافظ على سجلٍّ طبيعيٍّ للظروف الفيزيائية والكيميائية السائدة في الأعماق الجيولوجية منذ مئات الملايين من السنين، دون أن تتعرّض للتغيّر لاحقًا بفعل الماس الذي يغلفها.

وقد تم اكتشاف أولى هذه الماسات بالقرب من جوينا في أواخر ثمانينيات القرن العشرين، وساهمت منذ ذلك الحين في اكتشافات متعددة حول تركيب باطن الأرض، لكن الأبحاث السابقة كانت تقودها فرق علمية خارج البرازيل. وتؤكد الجيولوجية فرناندا جيرفاسوني أن «دراستنا هي الأولى التي أُجريت بالكامل بواسطة فريق برازيلي وباستخدام أدوات برازيلية».

تحليل شامل باستخدام ضوء السنكروترون

وكان هذا البحث أيضًا الأول عالميًّا الذي درس ماسة فائقة العمق من بدايتها إلى نهايتها باستخدام طرق تحليل ضوء السنكروترون. وانتقى الباحثون عشوائيًّا إحدى الماسات من جوينا، وحلّلوها على خطَّي الإشعاع «موغنو» و«كارناوبا» في مسرّع سيريوس، وذلك أثناء مرحلة التشغيل التجريبي لمعدات مختبر الضوء السنكروتروني البرازيلي (LNLS)، التابع للمركز البرازيلي لأبحاث الطاقة والمواد (CNPEM) في كامبيناس بولاية ساو باولو. وافتُتح خط «كارناوبا» رسميًّا عام 2021، بينما افتُتح خط «موغنو» عام 2023.

ويُنتج ضوء السنكروترون إشعاعًا كهرومغناطيسيًّا فائق السطوع عند تحريك الإلكترونات في مسرّع الجسيمات بسرعة قريبة من سرعة الضوء، ويوجّه كل خط إشعاعي جزءًا مختارًا من هذا الإشعاع نحو أجهزة تحليل المواد. وفي خط «موغنو»، استخدم التصوير المقطعي الدقيق بالأشعة السينية خريطة ثلاثية الأبعاد لحوالي 100 شاهد معدني داخل الماسة. ثم استخدم الباحثون التحليل الطيفي بالأشعة السينية في خط «كارناوبا» لتحديد العناصر الكيميائية الموجودة في تلك الشواهد.

وبرز أحد الشواهد لأنه بدا وكأنه يحتوي على هيدروكسيد الحديد، وهو مركب نادر الظهور في الغلاف الصخري السفلي، حيث تكاد تخلو المعادن المائية من هذه المنطقة، كما أن معظم الصخور لا تشجّع التفاعلات المؤكسدة. وتوضّح كارولينا كاماردا، وهي مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في مختبر XFEL الأوروبي بألمانيا: «عندما يجد الباحثون هيدروكسيدات الحديد، فإنهم عادةً ما يستبعدون الشاهد، ظنًّا منهم أن شقًّا مجهريًّا في الماس قد سمح بدخول الهواء وأدى إلى الأكسدة. لكن التصوير المقطعي أثبت أن الشاهد معزول تمامًا عن البيئة الخارجية، فقرّرنا التعمق في دراسته».

كشف معدني مغلق يحتوي على الجويثيت

وبعد ذلك، انتقل الفريق إلى خط الإشعاع «إيما» في سيريوس لتحديد جميع المعادن الموجودة داخل الجيب المعدني المغلق. وأظهر حيود الأشعة السينية وجود الجويثيت (FeOOH)، وهو أوكسيهيدروكسيد حديدي، إلى جانب أكسيدي الحديد الهيماتيت (Fe₂O₃) والماغنتيت (Fe₃O₄). وهذه الثلاثة معادن شائعة في التربة وأعماق المحيطات، لكن وجودها معًا داخل جيب ميكروسكوبي مغلق لا يمكن تفسيره بظروف الحرارة والضغط السائدة على سطح الأرض.

وحتى وقتٍ قريب، كان يُفترض عمومًا أن الجويثيت لا يمكنه البقاء خلال عملية الاندساس، أي غوص إحدى الصفائح التكتونية تحت الأخرى باتجاه الغلاف الصخري. وتوجد هذه العملية بنشاط على الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، حيث تنزلق قشرة المحيط الهادئ تحت القارة، ما أدى إلى تكوّن جبال الأنديز وما زالت تعيد تشكيلها حتى اليوم. ووفق الرؤية التقليدية، فإن درجات الحرارة فوق 200°م تحوّل الجويثيت سريعًا إلى الهيماتيت والماء، ما يستبعد قدرته على الوصول إلى الغلاف الصخري السفلي.

لكن كاماردا وزملاءها لاحظوا أن نمط الحيود المقاس في سيريوس يشبه إلى حدٍّ كبير النتائج التي توصّل إليها تجربة ضغط صدمي أُجريت عام 2021 في جامعة سيتشوان بالصين. وأشارت تلك التجربة إلى أن الجويثيت قادرٌ على تحمل ضغوط تتراوح بين 35 و57 جيجا باسكال (أي ما يعادل نحو 500 ضعف الضغط في أعمق نقطة بالمحيط)، ودرجات حرارة تتراوح بين 877 و1827°م — وهي ظروف تحدث في الغلاف الصخري السفلي على أعماق تتراوح بين 900 و1250 كيلومترًا.

مسارات محمية للجويثيت في الصفائح المحيطية

ورغم أن بعض الباحثين يتحفظون بسبب عدم تطابق ظروف الضغط الصدمي تمامًا مع الظروف في الغلاف الصخري العلوي أو السفلي، فإن دراسة منفصلة أُجريت عام 2021 بقيادة جامعة بايروث بألمانيا وجدت أن الجويثيت يبقى مستقرًّا أيضًا تحت درجات الحرارة والضغوط نفسها داخل خلايا الماس المضاعف، وهي وسيلة أكثر دقة في محاكاة الظروف الداخلية للأرض. ومع ذلك، أشارت تجارب أخرى باستخدام خلايا الماس المضاعف إلى أن الجويثيت قد يفقد ماءه على أعماق أقل، ما يشير إلى أن مسار بقائه يعتمد على درجة الحرارة والإعداد الجيولوجي المحيط.

ويقترح كاماردا وزملاؤها أن الجويثيت يمكنه البقاء خلال الاندساس عندما يكون محميًّا داخل شقوق عميقة ضمن صفائح محيطية نسبية البرودة. وقد تسمح هذه المسارات المحمية له بالان descension إلى أعماق تتجاوز 400 كيلومتر قبل أن يبدأ في التحوّل إلى الهيماتيت والماء، أو إلى الماغنتيت والأكسجين والماء. ويمكن أن تستمر هذه التحولات داخل الغلاف الصخري السفلي، ما يوفّر مسارًا محتملًا لوصول الماء من السطح إلى مناطق من باطن الأرض كان يُعتقد سابقًا أنها تفتقر إلى القدرة على تخزينه.

وقد تبلور الماس المحيط بهذه المعادن من الكربون الموجود إما في صخور الغلاف الصخري أو في الصفيحة المحيطية المنحدرة. ويُعتبر الكربون نادرًا نسبيًّا في الغلاف الصخري، الذي يتكون أساسًا من معادن غنية بالمغنيسيوم والحديد والسيليكون. أما شاهد آخر في نفس الماسة فقد احتوى على معدن الفيروبيريكلاز ((Mg, Fe)O)، وهو معدن وافر في الغلاف الصخري السفلي، ما يشكل دليلًا إضافيًّا على أن الماسة تشكّلت على عمق كبير.

دور الماء في تشكّل الصخور البركانية

وتوضح جيرفاسوني أن «تحرير الماء يخفض نقطة انصهار هذه الصخور، ما قد يولّد كميات صغيرة من الصهارة التي ترتفع ببطء نحو السطح. وتقول بعض النظريات إن الصخور البركانية التي تحمل الماسات الفائقة العمق إلى السطح تتشكّل بالقرب من المنطقة الانتقالية بين الغلاف الصخري العلوي والسفلي، أي على عمق نحو 400 كيلومتر».

وفي اكتشاف منفصل سابق من جوينا، كشفت دراسة دولية نُشرت عام 2014 في مجلة «نيتشر» عن وجود معدن الرينغ ووديت (Mg₂SiO₄) في إحدى الماسات من نفس المنطقة. وهذا المعدن شائع في المنطقة الانتقالية ويمكنه احتواء الماء. وتشير الأدلة الآن إلى أن الغلاف الصخري العلوي قد يحتوي على كميات كبيرة من الماء المنقول من السطح، بينما يظل الغلاف الصخري السفلي أكثر صعوبة في التفسير، لأن معظم معادنه لا تستطيع تخزين سوى كميات ضئيلة جدًّا من الماء. وبذلك يوفّر الجويثيت المحبوس داخل هذه الماسة آلية محتملة لنقل الماء إلى أعماق أبعد.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة