العالم

لم تعد تقييمات القادة الأوروبيين لسياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقيدة بالمعايير الدبلوماسية بل بدأت تتخذ نبرة حادة بعد مرور عام على بدء الولاية الثانية لساكن البيت الأبيض.
ويتجلى ذلك في أحدث تصريحين، أولهما للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الذي رأى أن واشنطن تتخلى تدريجياً عن حلفائها" و"تتجاهل القواعد الدولية"، واصفاً السلوك الأمريكي بأنه يحمل ملامح "عدوانية استعمارية جديدة"، وهو ما يعيد الى الأذهان التجربة الأوروبية الطويلة بخصوص الاستعمار ومنطق فرض الإرادة بالقوة.
التصريح الثاني جاء من الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الذي ذهب أبعد من ذلك حين حذر من عالم يتحول إلى "وكر لصوص"، تتحكم فيه القوى الكبرى "بلا ضمير"، في إشارة واضحة إلى أن النظام الدولي الذي ساهم أسلاف ترامب في تشييده بات عرضة للانهيار.
ورغم أن منصب الرئاسة في ألمانيا له "طابع شرفي"، إلى حد بعيد، لكنه يمثل "الضمير الرمزي" للبلاد، وحين يخرج صاحب هذا المنصب عن إطار التحفظ والحذر في انتقاد إدارة ترامب، فإن ذلك يعني أن الأوروبيين قد ضاقوا ذرعا بمفاجآت سياسة هذه الإدارة.
ويرى خبراء أن مثل هذا التصريحات الجريئة، والخارجة عن المألوف، لم تعد تعكس خلافات تكتيكية آنية تنشأ بين ضفتي الأطلسي بشأن هذه القضية أو تلك، بل ترمز إلى تحول أعمق في المزاج السياسي الأوروبي الذي بات يمتعض من مزاجية ترامب وسياساته الصادمة التي لا يمكن التنبؤ بها.
ويضيف الخبراء أن تأثير هذه التصريحات لا يكمن في حدة نبرته فحسب، بل في كونه يصدر عن دول جعلت من التحالف مع واشنطن حجر الزاوية في سياستها الخارجية منذ عقود.
"ترامبية دون ترامب"
وما يسهم في تعقيد هذا الملف، هو أن أوروبا خسرت الرهان عندما اعتبر خلال الولاية الاولى لترامب، أن ما يجري هو "خلل سياسي مؤقت"، يمكن تجاوزه، غير أن عودة ترامب، أثبتت للقارة أن هناك أن ثمة عقيدة راحت تترسخ في المشهد السياسي الأمريكي يمكن وصفها بـ"الترامبية".
ويوضح الخبراء بإن الخطورة باتت تكمن في أن هذه العقيدة، التي تحولت إلى نهج سياسي له مناصروه ومنظروه، معتبرين أن من الخطأ التعامل مع ترامب بوصه استثناء، بل أصبح شخصية كاريزمية تعبر عن قناعات ورؤى راحت تتكرس في المؤسسات والهيئات الحكومية الأمريكية.
وهذا ما يفسر، بحسب التحليلات السياسية، الانسجام بين فريق ترامب ممن جرى اختيارهم تبعا لولائهم لـ"الترامبية".
موجة أوروبية
ولا يقتصر هذا التحول في الخطاب السياسي الناقد على باريس وبرلين، على أهميتها وثقلها السياسي والاقتصادي، بل يكاد يشمل مختلف دول القارة.
ففي إسبانيا، شدد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز على احترام سيادة الدول ورفض أي تدخل ينتهك القانون الدولي، وحتى في إيطاليا ورغم التقارب الأيديولوجي بين رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني وإدارة ترامب، برز قلق واضح من السياسات الاقتصادية "الحمائية" الأمريكية.
وفي بولندا ودول البلطيق، المعروفة بقربها الشديد من الولايات المتحدة، أثارت مقاربة ترامب الغامضة تجاه الناتو وأوكرانيا تساؤلات حول مدى موثوقية الضمانات الأمريكية على المدى الطويل.
وفي دول الشمال الأوروبي، مثل السويد وفنلندا، اللتين انضمتا حديثا إلى حلف الناتو، فقد شكل هذا الانضمام ارتياحا لديهما إزاء المظلة الأمنية الأمريكية في ظل المخاوف الأمنية المتصاعدة من الدور الروسي.
لكنه أشاع، في الآن ذاته، نوعاً من القلق والتوجس حيال هذه المظلة التي قد تكون مشروطة بحيث تنتقص من السيادة، ذلك أن ترامب لا يتوانى علنا عن القول بأن زمن الحماية المجانية قد انتهى.
وفي الحديث عن الدول الإسكندنافية، لا يمكن إغفال مطلب ترامب المتكرر بضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، وهو يمثل أحد العوامل الرئيسة في تشجيع زعماء القارة على زيادة جرعة الانتقاد.
ويوضح الخبراء أن تعامل ترامب مع أرض ذات سيادة كـ"صفقة عقارية"، نسف لباقة "القارة العجوز" التي توحدت في رفض فكرة الضم، كما لم تتوحد في أي ملف آخر، في مؤشر على خطورة الطرح وغرابته.
وفضلا عن غرينلاند، ثمة عوامل أخرى عززت تصعيد اللهجة الأوروبية، من بينها "مغامرة كاركاس"، حسب وصف الخبراء، إذ تمت الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في واقعة نادرة رأت فيها أوروبا أحياء لسياسة تغيير الأنظمة بالقوة، بصرف النظر عن مدى شرعية هذا الرئيس أو ذاك.
ويضاف إلى ماسبق الملف الأوكراني، بما يحمله من أبعاد أمنية وجيوسياسية مركبة، تمس استقرار وأمن القارة؛ إذ يلوح ترامب بتسويات سريعة للملف، دون مراعاة للمخاوف الأوروبية، بحسب خبراء.
البحث عن بدائل
ويترافق الهجوم الأوروبي ضد ترامب بالبحث عن بدائل، وسط قناعة بأن عودة الولايات المتحدة الى دورها التقليدي ليست قريبة، لذلك يعمل الزعماء الأوربيون على تعميق الشراكات وتنويع التحالفات مع قوى أخرى، وقبل ذلك تعزيز القدرات الذاتية، وهو ما يفسر ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نهاية الحرب الباردة.
ويذهب المحللون إلى أبعد من ذلك، إذ يرون أن ضغوطات ترامب قد ترتد بنتائج لا يتمناها، فهي تخدم وظيفة سياسية داخلية؛ إذ تتيح للقادة الأوربيين إعادة تعبئة الرأي العام حول فكرة أوروبا كفاعل سياسي عالمي، في مواجهة صعود اليمين المتطرف داخل القارة، والذي يلقى تشجيعا، وإن كان غير رسمي، من إدارة ترامب.
خلافات متراكمة
ورغم الانطباع السائد بأن هذا التحدي الأوروبي قد يكون طارئا، يرى خبراء أن ترامب لم يفعل شيئا سوى نزع الغطاء عن الخلافات المتراكمة، وسمّى الأشياء بمسيماتها دون مواربة.
واعتبر الخبراء أن الخلافات على ضفتي الأطلسي ليست جديدة بدءاً من التباينات بخصوص تغيرات المناخ الى ملف الانفاق في إطار الناتو، فضلا عن التباين في النظرة إلى نزاعات عدة، قديمة وجديدة، سواء في القارة أو خارجها في أفريقيا والشرق الأوسط وشرق آسيا.
ومن هذه الزاوية، يلاحظ الخبراء أن جبهة التحدي الأوروبية ليست رد فعل على شخص، بقدر ما هي نتيجة لتراكمات طويلة أثارها ترامب دفعة واحدة وبلغة عارية تفتقر إلى أي تجميل أو تزيين.
ويرجح الخبراء بأن هذا التصادم بين السرديتين الأمريكية والأوروبية، ستفضي إلى توسيع الدور الأوروبي عبر ابتكار أدوات دبلوماسية تعتمد على القوانين والأعراف والقوة الاقتصادية لا العسكرية.
ويختم الخبراء بالقول إن التصعيد الأوروبي الكلامي لن يصل إلى حد القطيعة السياسية، فهو يظل محسوبا بدقة وعناية، لكنه يكسر التقاليد الدبلوماسية وهو ما يمهد لصيغ جديدة في العلاقة بين ضفتي الأطلسي، تتناسب مع التغييرات العاصفة التي يشهدها العالم.
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان