العالم

ليس مفاجئًا أن تنتهي علاقة التحالف بين إيلون ماسك ودونالد ترامب، فكلاهما يتمتع بحجم كبير من النفوذ، أولهما صاحب النفوذ السياسي الأكبر في العالم، والآخر صاحب النفوذ المالي الأكبر في العالم.
كلاهما التقيا على هدف مشترك، وهو منع الديمقراطيين من الاستمرار في البيت الأبيض لولاية جديدة بعد الرئيس السابق جو بايدن، وكذلك قطع الطريق عليهم من السيطرة على الكونغرس من خلال تأمين أغلبية جمهورية في مجلسي النواب والشيوخ.
لاحقًا، اتضح أن ممارسة السلطة لا تقبل القسمة بين الرجلين، وأن هناك رأيًا واحدًا يجب أن يكون هو المسيطر في القاعة.
ويقول الأصدقاء المشتركون بين ترامب وماسك إن كل هذا كان أمرًا متوقعًا حدوثه، حتى وإن لم يكن بهذه السرعة على المستوى الزمني.
لكن أن يصل الأمر إلى درجة إطلاق ماسك حزبا سياسيا، سيكون هو مصدر التهديد الأساسي الذي يستهدف النواب والشيوخ الجمهوريين الذين صوتوا لصالح قانون الإصلاح الضريبي والإنفاق الحكومي للرئيس ترامب في المجلسين الأسبوع الماضي، فهذا أمر خالف فيه ماسك وترامب جميع التوقعات التي راهنت على نجاح هذا التحالف المالي والسياسي ضد الديمقراطيين.
الحزب الثالث في أمريكا
نجح ماسك، بمبادرة وتوقيت الإعلان، في تأكيد ذلك الالتزام الذي قطعه على نفسه، وهو أنه في حالة مصادقة الكونغرس على قانون ترامب "الجميل والفخم"، فإنه سيدعو في اليوم الموالي إلى تأسيس حزب "أمريكا" كخيار ثالث، يضعه بين أيدي الأمريكيين المتعبين من سياسات الحزبين الجمهوري والديمقراطي.
ماسك لم يكتفِ بذلك، بل وضع الحزبين معًا في سلة واحدة، وفي مرة واحدة عمد إلى وصفهما بـ"الخنازير السمينة".
العداء بين الديمقراطيين وماسك ليس جديدًا، فهو معروف للجانبين والنخب السياسية في واشنطن، ومنذ وقت مبكر من عمر إدارة الرئيس السابق جو بايدن في البيت الأبيض.
ماسك كان حينها يعتقد أن الديمقراطيين لم يقدّروه بالصورة الكافية؛ بسبب تجاهل دعوته إلى البيت الأبيض في معرض الصناعات الكهربائية.
ولكن الأهم من ذلك أن ماسك كان غاضبًا جدًا من سياسات الحزب، التي كانت أقرب إلى أقصى اليسار في مواقفها، فانتهت تلك العلاقة إلى شبه قطيعة كاملة بين الطرفين، حتى وإن كانت العلاقة التجارية بين مؤسسات ماسك والليبراليين في أفضل حالاتها وقتها، بسبب دعم هؤلاء المشروع للصناعات الكهربائية، وكذلك اعتبار ذلك واحدة من أدوات ترسيخ سياساتهم للمحافظة على البيئة في مواجهة أزمة التغير المناخي.
صاحب "تسلا" كان يريد دورًا علنيًا أكبر من ذلك بكثير. وهنا، اختار الانتقال إلى الضفة الأخرى بالكامل، وفي توقيت كان حساسًا جدًا من عمر الحملة الانتخابية الرئاسية، التي انخرط فيها بجميع أدواته المالية، بتقديمه قرابة 300 مليون دولار لدعم ترامب في طريقه للعودة إلى البيت الأبيض للفوز بولاية ثانية، وكذلك عن طريق "تنظيف" منصته للتواصل (تويتر سابقًا، و"إكس" حاليًا) وهي الأوسع انتشارًا في العالم، لدعم خطابات الجمهوريين في انتخابات نوفمبر الماضي، ليتحقق له ما أراد: فوز بالأغلبية في المجلسين، ما جعل خسارة الديمقراطيين تاريخية في نوفمبر الماضي.
مرة أخرى، يصطدم ماسك بالواقع نفسه، هذه المرة في البيت الأبيض، عندما وجد نفسه في مواجهة مفتوحة مع أعضاء فريق إدارة الرئيس ترامب، وجهًا لوجه، خاصة في الجزأين الاقتصادي والمالي.
ووجد أن الرئيس ترامب ينحاز لآراء وزرائه ومستشاريه على حساب آراء ماسك، فقدّر حينها أن هذا الوضع لا يتناسب بالمرة مع حجم الإنفاق المالي وخسارته المالية المتكررة بسبب ارتباطه السياسي بالإدارة الحالية، ومن هنا بدأت ملامح الأزمة الجديدة في علاقة ماسك-ترامب.
ماسك غاضب من الجمهوريين والديمقراطيين
وفي حديث مع أحد الوجوه البارزة في الحزب الديمقراطي، والعضو البارز في إدارة أوباما الاستراتيجية، لوري ويتكون، تقول: إن المشكلة مع ماسك أنه غير مستقر سياسيًا، ومتقلب الآراء.
فبعد دعمه ولسنوات سياسات الديمقراطيين وانتخابه لصالحهم، ومعارضته ترامب في الولاية الأولى، انقلب على الديمقراطيين واختار أن يتحالف مع ترامب في حملة الولاية الثانية، وتحول إلى أقرب أصدقائه في مطلع ولايته الثانية، قبل أن يعود إلى الخصومة معه مجددًا.
وبالتالي، فإن الوثوق في ماسك سياسيًا يشكل دائمًا مراهنة سياسية محفوفة بالمخاطر، والحزب الديمقراطي ليس على استعداد لأخذ هذه المخاطرة.
وسبق حديث القيادية الديمقراطية لـ"إرم نيوز" خطوة ماسك بإطلاق حزبه السياسي، في أعقاب إقرار الكونغرس قانون الضرائب والإنفاق الحكومي، ولو أن الديمقراطيين أنفسهم يقولون إن رأيهم يتطابق بالكامل مع ما يقوله ماسك بشأن هذا القانون، خاصة في مسألة رفع سقف الدين العام إلى زيادة وطنية تتجاوز الثلاثة تريليونات دولار في نهاية ولاية ترامب الثانية.
ويقول ماسك إن سياسات "الخنازير السمينة" في واشنطن سوف تؤدي إلى الوصول إلى ارتفاع تاريخي في سقف الدين العام الأمريكي، وهو خطر يفتح الباب أمام احتمال إفلاس الحكومة الفيدرالية، وهي مسألة ستعصف بالاقتصاد الأمريكي وتقوده إلى سيناريو كارثي.
هذا هو الطرح الذي يقدمه ماسك لعامة الأمريكيين، وهو يدافع عن نفسه في الخلاف مع ترامب بشأن سياسة الإنفاق.
وكان ماسك قد تعهد، عند قبوله بدور حكومي في البيت الأبيض كوزير للكفاءة الحكومية، بأن هدفه تقليص حجم الإنفاق إلى ما يعادل 2 تريليون دولار في العام الأول من عمر إدارة ترامب، وهو رقم اتضح لاحقًا أنه يصعب تحقيقه، في ظل الأرقام المحدودة التي استطاع ماسك تحقيقها من خلال وزارته خلال الشهور الأربعة التي عمل فيها مع الرئيس ترامب في البيت الأبيض.
وعند مناقشة الغرفة الأولى في الكونغرس مشروع قانون ترامب، وجد ماسك نفسه في مواجهة مفتوحة مع الأعضاء الجمهوريين في المجلس، وحتى رئيس المجلس مايك جونسون، الذي يقدّم نفسه صديقا مقرّبا لماسك.
وأكثر من ذلك، وجد ماسك نفسه في مواجهة مع الرئيس ترامب، بسبب أن هذا التوجّه لم يكن من أهداف الحملة الانتخابية، كما لم يكن جزءًا من السياسات التي تم الاتفاق عليها بين الرجلين.
وحاول ماسك، من خلال وسيلة التواصل "إكس"، إطلاق حملة معادية للقانون، ليتضح له لاحقًا أن القانون نجح في تحقيق الأصوات المطلوبة في المرتين المتتاليتين في مجلس النواب وفي مجلس الشيوخ، حتى وإن كان الفارق في المرتين لا يتجاوز الصوت الواحد.
حينها، أدرك ماسك أن المسألة أعمق بكثير من المعارضة العلنية، فبادر إلى إعلان تأسيس الحزب الثالث في أمريكا، لأن ذلك وحده ما يضمن له تقديم مرشحين لانتخابات التجديد النصفي بعد عام ونصف العام من الآن، يدعمون سياساته، ويكونون مستقلين عن الولاء الحزبي ديمقراطيًا كان أو جمهوريًا.
بين سوابق التاريخ والطموح الشخصي
دعوة ماسك لحزب ثالث في أمريكا ليست جديدة، وليست الأولى؛ بل هناك محاولات عدة، وجميعها انتهت إلى "الصمت الكبير"، أو إلى ذلك التأثير المحدود الذي أنهى طموحات أصحابها في إمكانية إحداث التغيير في النظام السياسي النمطي الذي يحكم العاصمة واشنطن.
آخر هذه المحاولات في العام 2001، أطلق رجل الأعمال أندرو يونغ مبادرة الحزب الثالث، وهو أحد المقربين الكبار من الرئيس السابق باراك أوباما، وسفير إدارته للأعمال الريادية، وكان يُوصف برجل التغيير في الحزب الديمقراطي.
يانغ قدّم الخطاب نفسه الذي يقدمه ماسك حاليًا، وهو أن واشنطن تعاني الجمود السياسي في ظل سيطرة أحادية سياسية للحزبين الديمقراطي والجمهوري، وكلاهما بحاجة إلى تجديد من الداخل.
لكن محاولات يانغ فشلت؛ لأن النمطية التي تحكم العملية السياسية لا تقبل بالتغيير من خارج المؤسسة الحزبية التقليدية.
يانغ اختار أن يخوض الانتخابات التمهيدية الرئاسية بنفسه مع آخرين، لكنه اضطر للانسحاب أخيرًا بعد تأكد توجه الحزب لانتخاب الرئيس السابق جو بايدن مرشحًا للديمقراطيين حينها.
وانتهى إلى مواجهة الحقيقة على الأرض، وهي أن المنظومة السياسية الوطنية وُجدت بصيغة الحزبين، وأن وجود طريق ثالث غير الديمقراطي والجمهوري مسألة في غاية التعقيد، خاصة أن هناك ولايات تجعل من قوانين نظامها الانتخابي مقصورًا فقط على الحزبين الأزرق والأحمر، وأبرزها: تكساس وكاليفورنيا، وهما الأكبر اقتصاديًا وديموغرافيًا في البلاد.
ماسك يقول إنه يدرك جيدًا هذه الحقيقة، وإنه جهّز فريقًا كبيرًا من المحامين لخوض المعارك القانونية التي تسمح لحزبه بخوض المعركة الانتخابية المقبلة.
إضافة إلى أن ماسك يملك القدرة على دعم مرشح للعضوية في الكونغرس كما لا يستطيع أي طرف آخر داخل البلاد، وفي تجربة دعمه لترامب - كما يقول مؤيدوه - ما يقدّم الدليل على قدرته المالية على صناعة النتائج المأمولة.
رابح الفيلالي - إرم نيوز