العالم

حذر خبراء ديموغرافيا من احتمال دخول المملكة المتحدة مرحلة غير مسبوقة في تاريخها الحديث، مع توقعات بأن يتجاوز عدد الوفيات عدد الولادات خلال السنوات القليلة المقبلة، في تحول يُنذر بتداعيات اقتصادية واجتماعية واسعة.
ووفقًا لتقديرات مؤسسة «رزولووشن فونديشن» البحثية، قد يكون عام 2026 نقطة بداية لما وصفته بـ«الوضع الطبيعي الجديد»، حيث يصبح عدد الوفيات أعلى من عدد المواليد، ليس بسبب ارتفاع معدلات الوفاة، بل نتيجة الانخفاض الحاد والمستمر في معدلات الخصوبة.
وأظهرت البيانات التاريخية أن الولادات فاقت الوفيات طوال معظم القرن الماضي، باستثناء سنوات محدودة مثل 1976، وعام جائحة كورونا 2020، إضافة إلى عام 2023. إلا أن أرقام عام 2024 كشفت عن فارق ضئيل جدًا بين الولادات والوفيات، مع توقعات بأن يضيق هذا الفارق أكثر في 2025، قبل أن تنقلب المعادلة لصالح الوفيات، التي قد تتجاوز الولادات بنحو 100 ألف حالة سنويًا بحلول منتصف أربعينيات القرن الحالي.

تراجع حاد في الخصوبة
وسجلت المملكة المتحدة انخفاضًا كبيرًا في معدلات الإنجاب، حيث تراجع متوسط عدد الأطفال لكل امرأة من نحو ثلاثة أطفال في ستينيات القرن الماضي إلى 1.4 طفل فقط في عام 2024، بحسب بيانات مكتب الإحصاء الوطني.
ويرى الخبراء أن هذا التراجع يعكس تحولات اجتماعية وثقافية عميقة، من بينها تركيز متزايد على التعليم والمسار المهني، وتأخير الزواج والإنجاب، إلى جانب عوامل صحية مثل ارتفاع معدلات السمنة، التي تؤثر سلبًا على الخصوبة.
تداعيات اقتصادية وضغوط على الخدمات العامة
وحذر غريغوري ثويتز، المدير البحثي في «رزولووشن فونديشن»، من أن هذا المسار الديموغرافي قد يفرض ضغوطًا كبيرة على المالية العامة، إذ سيُطلب من شريحة أصغر من السكان في سن العمل تمويل احتياجات عدد متزايد من كبار السن، عبر الضرائب والإنفاق على المعاشات والرعاية الصحية.

وأشار إلى أن الحكومة تتجه بشكل متزايد نحو إنفاق يتركز على كبار السن، في وقت تتحمل فيه فئة محدودة من العاملين والأسر عبئًا أكبر. بدورها، أكدت روث كورتيس، الرئيسة التنفيذية للمؤسسة، أن هذا التحول يثير تساؤلات صعبة حول مستقبل الخدمات العامة ومستوى الإيرادات الضريبية اللازمة لدعم مجتمع يتقدم في العمر.
الهجرة محرك النمو السكاني
ورغم ارتفاع عدد سكان المملكة المتحدة من 64.6 مليون نسمة في عام 2014 إلى 69.3 مليون في منتصف 2025، فإن هذا النمو يعود في معظمه إلى الهجرة، بحسب الخبراء.
وأوضح ثويتز أن أي زيادة مستقبلية في عدد السكان ستعتمد بشكل شبه كامل على استمرار تدفقات الهجرة، في ظل غياب نمو طبيعي ناتج عن الولادات. وللحفاظ على استقرار عدد السكان دون الاعتماد على الهجرة، ينبغي أن يبلغ معدل الخصوبة مستوى التعويض البالغ 2.1 طفل لكل امرأة، بينما تشير بعض الدراسات إلى أن الاستدامة الديموغرافية طويلة الأمد قد تتطلب معدلًا أعلى يصل إلى 2.7 طفل.
ويجمع الخبراء على أن تأخر الزواج والإنجاب، والاهتمام المتزايد بالتعليم والعمل، إلى جانب العوامل الصحية ونمط الحياة، كلها عوامل أساسية تقف خلف هذا الانخفاض الحاد في الخصوبة، ما يضع بريطانيا أمام واحد من أخطر التحديات الديموغرافية في تاريخها الحديث.



