العالم

في جزء استراتيجي من أوروبا الشرقية، يمتدّ طريق سريع حديث التوسعة عبر غابات خضراء كثيفة، مروراً بقرى ساحرة ومزارع هادئة، يربط وارسو في بولندا بتالين في إستونيا.
وهذا الطريق، المعروف باسم فيا بالطيقا أو E67، ليس مجرد شريان نقل عادي، بل هو خط دفاع حيوي قد يحدد مصير حلف شمال الأطلسي (الناتو) في مواجهة تهديد روسي محتمل، بحسب تقرير لصحيفة "التلغراف" البريطانية.
وإذا شنّت موسكو "هجوماً على دول البلطيق الأربع، بولندا وليتوانيا ولاتفيا وإستونيا، فإن طريق "فيا بالطيقا" سيكون الممر البري الوحيد لإيصال التعزيزات بسرعة، ليمنع "كارثة استراتيجية" قد تعزل الحلفاء، وتُكرر سيناريوهات أوكرانيا.
غرض مزدوج
ومؤخّراً، افتتح الرئيس البولندي، كارول ناوروكي، والرئيس الليتواني، جيتاناس نوسيدا، قسماً رئيساً من الطريق عند الحدود المشتركة، في خطوة تجسد التعاون الدفاعي.
وأكد ناوروكي أن الطريق يحمل "غرضاً مزدوجاً"، فهو يدعم الاقتصاد ويعزز القدرات الدفاعية، مضيفاً أن مساهمته في الأمن "لا يمكن المبالغة فيها".
وأنفقت بولندا 2.6 مليار يورو على تطوير قسمها، بمساهمة تصل إلى مليار يورو من الاتحاد الأوروبي، لتحويله إلى طريق سريع بأربعة مسارات يمتد نحو 600 ميل شمالاً عبر ليتوانيا ولاتفيا.
ويأتي هذا التطوير في سياق جيوسياسي متوتر، حيث يقع الطريق بين بيلاروسيا، الحليفة لموسكو، وجيب كالينينغراد الروسي، الذي يحتضن آلاف الجنود وصواريخ إسكندر النووية، إذ يكمن التهديد الرئيس في "فجوة سووالكي"، الشريط الأرضي البالغ 80 كيلومتراً بين بولندا وليتوانيا.
وإذا سيطرت روسيا على تلك الفجوة، فستقطع الصلة البرية لحلف الناتو مع دول البلطيق الثلاث، مما يعزلها ويجعلها عرضة لمصير مشابه لمناطق أوكرانية تحت إدارة موسكو.
ولإحباط هذا السيناريو، تبني الدول الأربع دفاعات متشابكة تشمل خنادق مضادة للدبابات و"أسنان التنين"، مع انسحابها من اتفاقية أوتاوا لزراعة ملايين الألغام الأرضية على الحدود الضعيفة، لكن للتركيز الرئيس على تسريع التعزيزات، فإن "فيا بالطيقا" صُمّم لنقل قوات كافية فوراً لردع أي هجوم.
ويوضح داريوس أنتانايتيس، الرائد المتقاعد في القوات الليتوانية وخبير دفاع البلطيق، أن نقل كتيبة واحدة يتطلب قافلة تمتد أربعة أميال، بينما فرقة كاملة تحتاج عشرات الآلاف من المركبات. وعلى الطريق القديم ذي المسارين، كان ذلك سيؤدّي إلى "فوضى عارمة"، حيث يوقف عطل بسيط الموكب بأكمله.
درس كييف
ويستذكر أنتانايتيس فشل الهجوم الروسي لكييف عام 2022، حيث حوصرت دبابات موسكو في ازدحام مروري امتد 40 ميلًا، مما جعلها فريسة للكمائن الأوكرانية.
ووفق "التلغراف"، فإن هذا ما سيفعله الطريق الجديد الذي سيزيد عدد المركبات لكل كيلومتر، ويسمح بالتجاوز دون توقف، كما يتحمّل أثقل الآليات مثل ناقلات الدبابات والمدفعية ذاتية الحركة، بخلاف سابقه الضعيف.
وفي نهاية الطريق، ستنتشر مجموعة قتالية للناتو في إستونيا بقيادة 900 جندي بريطاني، في أكبر انتشار خارجي لجيش المملكة المتحدة.
وسيعزز تحسين طريق "فيا بالطيقا" أمان موقع تلك القوات، إذ رغم افتقار دول البلطيق، والتي مساحتها تبلغ نحو ثلثي مساحة بريطانيا، إلى "العمق الاستراتيجي" لامتصاص هجوم، إلا أن انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو عام 2023 غيّر المعادلة، فأصبح بحر البلطيق "بحيرة للناتو"، مع سيطرة فنلندا وإستونيا على مخرج أسطول البلطيق الروسي من سانت بطرسبرغ، ورقابة سويدية على المجال الجوي من جزيرة غوتلاند.
ومن شأن هذه التغييرات أن تتيح تعزيزات بحرية بديلة عبر فجوة سووالكي، محولة كالينينغراد من تهديد إلى عبء استراتيجي على روسيا، وفق تقرير "التلغراف".
العالم
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان