Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

العالم

"طريق الموت".. المسيّرات الأوكرانية تعزل القرم وتربك الجيش الروسي

··قراءة 4 دقائق
"طريق الموت".. المسيّرات الأوكرانية تعزل القرم وتربك الجيش الروسي
مشاركة

تتصاعد أهمية شبه جزيرة القرم في مسار الحرب الروسية-الأوكرانية مع تكثيف كييف حملة عسكرية تهدف لعزل الجزيرة عن خطوط الإمداد الروسية، في إطار استراتيجية تقول إنها تهدف إلى إضعاف القدرات اللوجستية للقوات الروسية في الجنوب وتهيئة الظروف لهجوم مضاد مستقبلي، وفقًا لـ"فورين بوليسي".

وعلى جانبي الطريق الرئيسي الذي يربط مدينة روستوف-أون-دون الروسية بالقرم وجنوب أوكرانيا الخاضع للسيطرة الروسية، تراكمت مئات الشاحنات وناقلات الوقود والمركبات العسكرية المحترقة والمدمرة، وهو الطريق الذي يبلغ طوله نحو 390 ميلاً، وأطلق عليه الجنود الروس والأوكرانيون اسم "طريق الموت".

ومنذ مطلع إبريل، نفذت أوكرانيا موجات متتالية من الهجمات بالطائرات المسيرة استهدفت الطريق الساحلي الممتد بمحاذاة بحر آزوف، كما دمرت الجسور الشمالية للقرم عبر مضيق تشونغار؛ ما أدى إلى تعطيل طرق الإمداد البرية والبحرية وخدمات السكك الحديدية.

وبذلك أصبح جسر كيرتش في شرق القرم، المسار العملي الوحيد للوصول إلى شبه الجزيرة، إلَّا أنه تعرض بدوره لهجمات متكررة، وتراجعت حركة المرور عبره إلى جزء بسيط من مستوياتها السابقة، بينما شهدت الأيام الأخيرة من يونيو طوابير طويلة من السيارات المغادرة للقرم.

ولم تقتصر آثار هذه الهجمات على تعطيل حركة السياح الروس؛ إذ تسببت أيضاً بنقص حاد في الوقود والذخيرة داخل المناطق الخاضعة للسيطرة الروسية في زابوريجيا وخيرسون.

وفي 11 يونيو، أعلنت أوكرانيا أن الفوج الهجومي الأول المستقل، نفذ ضربة دمرت شحنة من الذخيرة والوقود كانت متجهة إلى مواقع روسية في زابوريجيا، إضافة إلى نحو 50 مركبة عسكرية كانت جاهزة للتحرك، وهو ما أدى، بحسب التقرير، إلى إعاقة قدرة روسيا على تنفيذ عملياتها العسكرية في الجبهة الجنوبية.

كما أسهمت الهجمات الأوكرانية على منشآت تكرير النفط داخل روسيا في تفاقم الأزمة، بعدما خفضت قدرة التكرير الروسية بنحو الربع؛ ما تسبب في نقص إمدادات الوقود داخل البلاد.

وشهدت مدينة سيفاستوبول، أكبر مدن القرم، انقطاعات واسعة في الكهرباء استمرت عدة أيام، فيما أعلن حاكم القرم المعيَّن من موسكو، سيرغي أكسيونوف، في 21 يونيو تعليق بيع البنزين للمدنيين، وقصر توزيعه على الجهات الحكومية والرسمية.

من جهته قال رئيس مركز الأمن والتعاون الأوكراني سيرهي كوزان إن وقف إمدادات الوقود إلى الجبهة الجنوبية "يشل الخدمات اللوجستية العسكرية الروسية ويعزل القوات الروسية"، مضيفاً أن نقص الوقود في المناطق المحتلة يقيّد استخدام المعدات العسكرية ويصعّب عمليات تدوير القوات وإجلاء الجرحى وإمداد الوحدات بالأسلحة.

وفي مايو، أعلنت وزارة الدفاع الأوكرانية إطلاق ما وصفته بـ"الإغلاق اللوجستي" للقرم؛ بهدف تحويلها من شبه جزيرة إلى منطقة معزولة عن الأراضي الروسية، عبر استهداف جميع طرق الإمداد المؤدية إلى القوات الروسية في جنوب أوكرانيا.

وتعد القرم مركزاً لوجستياً رئيسياً وقاعدة خلفية للقوات الروسية المنتشرة في خيرسون وزابوريجيا؛ إذ تعتمد هذه القوات على طرق الإمداد البرية أو القادمة عبر القرم.

وقال وزير الدفاع الأوكراني ميخايلو فيدوروف إن الهدف يتمثل في قطع خطوط الإمداد الروسية إلى شبه الجزيرة وتدمير البنية التحتية الحيوية بما يؤدي إلى إضعاف الوجود الروسي فيها.

وأشار مراقبون إلى أن هذه الاستراتيجية تهدف في النهاية إلى تمكين أوكرانيا من شن هجوم مضاد واستعادة أراضٍ، إلَّا أن ذلك لم يتحقق حتى الآن، كما أن الهجوم الصيفي الروسي لم يحقق بدوره تقدماً يذكر.

وقال الباحث في معهد دراسة الحرب الأمريكي جورج باروس إن أوكرانيا "تعيد تشكيل ساحة المعركة"، موضحاً أنها تجعل خطوط الدفاع الروسية أكثر هشاشة، وقد تبقيها في هذا الوضع لأشهر قبل تنفيذ هجوم مضاد.

وينفذ الجزء الأكبر من هذه الهجمات باستخدام طائرات مسيرة متوسطة المدى منخفضة التكلفة ومصنعة محلياً، مثل طرازَي "FP-2" و"Behemoth"، الذي تصل سرعته إلى 110 أميال في الساعة ويحمل رأساً حربياً يزن 154 رطلاً، ويصل مداه إلى نحو 200 ميل.

وأشار الباحث في مركز "GLOBSEC" ماكسيم بيزنوسيوك إلى أن "هذه الحملة جاءت بعد جهود أوكرانية منهجية استهدفت منظومات الدفاع الجوي الروسية في القرم، بما في ذلك الرادارات ومنظومات الصواريخ أرض-جو، وهو ما أتاح تنفيذ ضربات أعمق ضد أهداف لوجستية داخل شبه الجزيرة".

وأضاف كوزان أن "استنزاف القرم يزيد أيضاً من حالة الاستياء داخل الأراضي الخاضعة للسيطرة الروسية"، لافتاً إلى أن الضربات التي استهدفت محطات الكهرباء في سيمفيروبول وسيفاستوبول في 24 يونيو، تسببت بانقطاع واسع للتيار الكهربائي، وإعلان حالة الطوارئ، وفرض قيود على الوقود والنقل، إضافة إلى تراجع ضغط المياه في بعض المناطق.

وأكد أن هذه التطورات دفعت روسيا إلى تخصيص مزيد من الموارد الأمنية والعسكرية لحماية القرم، بما في ذلك نشر عناصر إضافية من جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، وتعزيز وحدات الدفاع الجوي على طرق الإمداد، وتجربة وسائل جديدة لتأمين خطوط النقل مثل الجسور العائمة.

ورأى باروس أن الحصار الأوكراني ليس كاملاً، وربَّما جاء ذلك عن قصد، موضحاً أن الإبقاء على منافذ للخروج قد يشجع القوات الروسية على الانسحاب بدلاً من القتال حتى النهاية.

وتتمتع القرم بأهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة لروسيا؛ إذ تصفها موسكو بأنها "حاملة طائرات غير قابلة للغرق"، وتستخدمها قاعدة لإسقاط القوة الجوية والبحرية في منطقة البحر الأسود، كما تضم ميناء سيفاستوبول، المقر الرئيسي لأسطول البحر الأسود الروسي، الذي استخدمته موسكو في فرض قيود على صادرات الحبوب والتجارة الأوكرانية، إضافة إلى إطلاق هجمات صاروخية على مدينتي ميكولايف وأوديسا.

ووفق التقرير فإن تكثيف أوكرانيا هجماتها على القرم يحمل أيضاً رسالة داخلية إلى الروس مفادها بأن ضم شبه الجزيرة عام 2014 لم يحقق الأمن الذي وعد به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة