Daily Beirut
الطبعة·صحيفة مستقلة من بيروت

العالم

جبهة جديدة خارج الحدود الأوكرانية.. تحذيرات من تحرك روسي غامض يهدد دول الجوار

··قراءة 4 دقائق
جبهة جديدة خارج الحدود الأوكرانية.. تحذيرات من تحرك روسي غامض يهدد دول الجوار
مشاركة

توالت تحذيرات متزامنة من بولندا ولاتفيا، وانضمت إليها تقديرات صادرة عن مسؤولين وخبراء غربيين، جميعها تدور حول احتمال واحد يتمثل في لجوء روسيا إلى تنفيذ استفزاز عسكري ضد دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

ورغم عدم وجود أدلة تشير إلى اتخاذ موسكو قراراً بشن هجوم وشيك، فإن تزامن هذه التحذيرات وتعدد مصادرها يعكس تنامياً ملحوظاً في المخاوف الأوروبية من احتمال انتقال المواجهة إلى ما يتجاوز الساحة الأوكرانية.

الحسابات الروسية.. لماذا دول البلطيق؟

ونقل الموقع الإخباري البولندي "Onet"، استناداً إلى مصادر استخباراتية بولندية، تحذيراً يفيد بأن روسيا قد تقدم على تنفيذ استفزاز مسلح ضد بولندا. وفي التوقيت ذاته تقريباً، أصدر جهاز الاستخبارات اللاتفي تقييماً نادراً أكد فيه رصد مؤشرات على استعدادات روسية لتنفيذ استفزازات عسكرية قد تستهدف دول البلطيق أو بولندا.

كما نقلت مجلة "فورين بوليسي" عن مسؤولين وخبراء في حلف الناتو، أن خطر التصعيد أصبح أكثر واقعية في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا والضغوط المتزايدة التي تواجهها موسكو.

ولخّص كير جايلز، خبير الشؤون الروسية في مركز تشاتام هاوس البريطاني، المنطق الذي قد يحكم التفكير الروسي، قائلاً في تصريحات لصحيفة "الغارديان": "لن تجلس روسيا مكتوفة الأيدي وهي تخسر، بل ستبحث عن طرق لقلب مسار الأحداث عبر التصعيد الأفقي، أي نقل الصراع إلى ساحات أخرى".

ويرى عدد من المحللين أن دول البلطيق الثلاث: إستونيا، ولاتفيا، وليتوانيا، تمثل الحلقة الأكثر حساسية داخل الحلف؛ نظراً إلى موقعها الجغرافي وقربها من الحدود الروسية. ويعتقد هؤلاء أن أي تحرك روسي محدود ضدها قد يستهدف اختبار مدى استعداد الناتو لتفعيل التزاماته الدفاعية الجماعية، ولا سيما في ظل الجدل الدائر داخل الولايات المتحدة بشأن حجم انخراطها العسكري في أوروبا.

وفي السياق ذاته، نقلت "فورين بوليسي" عن مصدر عسكري غربي قوله: "في اللحظة التي يدرك فيها بوتين أن الموقف ينقلب ضده، تصبح تلك أخطر لحظة".

5 سيناريوهات يدرسها الخبراء

وفي تقرير نشره المجلس الأطلسي "Atlantic Council"، خلال مارس/آذار 2026، جرى استعراض خمسة سيناريوهات محتملة لأي تحرك روسي ضد إحدى دول الناتو، مرتبة تصاعدياً وفق مستوى المخاطرة.

ويتمثل السيناريو الأول في السيطرة على أرخبيل سفالبار النرويجي في القطب الشمالي، باعتباره الأقل كلفة من الناحية العسكرية. ويليه احتمال السيطرة على جزر أولاند الفنلندية في بحر البلطيق، ثم تنفيذ عملية عسكرية خاطفة للسيطرة على أجزاء من شرق إستونيا.

أما السيناريو الرابع، فيتعلق بالسيطرة على جزيرة غوتلاند السويدية ذات الأهمية الاستراتيجية، فيما يتمثل السيناريو الخامس، والأخطر، في إنشاء ممر بري يربط روسيا بإقليم كالينينغراد عبر الأراضي الليتوانية، وهو ما من شأنه عزل دول البلطيق عن بقية أراضي الحلف.

ويرى معهد مونتين الفرنسي أن أي تحرك روسي، إذا وقع، لن يبدأ بهجوم تقليدي واسع النطاق، بل سيعتمد على مزيج من العمليات الهجينة، والهجمات السيبرانية، والتشويش الإلكتروني، والضربات الصاروخية المحدودة، بالتوازي مع رسائل نووية وضغوط سياسية وعروض تفاوض، بهدف إرباك عملية اتخاذ القرار داخل الناتو.

العامل الأكثر حسماً.. واشنطن

ورغم أن المخاوف الأوروبية تتركز ظاهرياً على روسيا، فإن كثيراً من المحللين يرون أن العامل الأكثر حسماً يتمثل في طبيعة رد الفعل الأمريكي.

فقد أعرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال يوليو/تموز 2026، عن استيائه من بعض الحلفاء الأوروبيين؛ بسبب رفضهم استخدام قواعدهم الجوية في العمليات الأمريكية ضد إيران، وهو ما أعاد إلى الواجهة التساؤلات بشأن مدى استعداد واشنطن للدخول في مواجهة مباشرة دفاعاً عن دولة أوروبية إذا تعرضت لهجوم محدود.

وفي رسالة نشرتها "فورين بوليسي"، حذّر المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، ويليام بيرنز، قائلاً: "خطر التصعيد حقيقي ومتزايد؛ لأن بوتين يتعرض لضغوط متنامية في الداخل ويواجه صعوبات على الجبهة".

كيف يستعد الناتو؟

في المقابل، يواصل حلف شمال الأطلسي تعزيز استعداداته على جناحه الشرقي. ووفقاً لوكالة "رويترز"، يعمل الحلف على إنشاء هيكل قيادة يسمح بنشر قوات إضافية بسرعة في دول البلطيق عند اندلاع أي أزمة، فيما تواصل ألمانيا وهولندا تنفيذ مناورات عسكرية مشتركة في ليتوانيا ضمن تمرين Freedom Shield 2026.

كما وصفت وزيرة الدفاع السويدية بول يونسون البيئة الأمنية الأوروبية بأنها شهدت "تدهوراً ملحوظاً" خلال العامين الماضيين، معتبرة أن روسيا أصبحت أكثر استعداداً لتحمل المخاطر العسكرية.

ويؤكد مسؤولو الناتو أن أي اعتداء على دولة عضو سيُعامل باعتباره اعتداءً على جميع أعضاء الحلف، وفقاً للمادة الخامسة من معاهدة واشنطن، في رسالة تهدف إلى تعزيز الردع ومنع أي حسابات روسية خاطئة.

هل تستطيع روسيا فتح جبهة جديدة؟

على الرغم من هذه التحذيرات، لا تتفق جميع التقديرات الغربية على أن موسكو تمتلك في الوقت الراهن القدرة على خوض حرب واسعة جديدة بالتوازي مع حربها في أوكرانيا.

وأكد جهاز الاستخبارات اللاتفي أن روسيا لا تملك حالياً القدرة على فتح جبهة تقليدية ثانية، لكنه أشار إلى أنها قد تلجأ إلى هجمات هجينة تشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات الإلكترونية، بهدف توجيه رسالة إلى أوروبا مفادها: "أوقفوا دعمكم لأوكرانيا، وإلا ستواجهون مشكلاتكم الخاصة".

وتعزو تقديرات الاستخبارات الغربية هذا التقييم إلى أن روسيا تخسر، بحسب ما نقله الموقع الأوكراني "كييف بوست"، نحو 35 ألف جندي شهرياً، وهو معدل يفوق قدرتها الحالية على التعويض.

من جانبها، ترى مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس أن الضغوط الداخلية قد تدفع موسكو إلى مزيد من التصعيد، قائلة: "سيأتي وقت تحتاج فيه روسيا إلى التصعيد لتبرير موجة تعبئة جديدة، وهذه لحظة شديدة الخطورة".

ويبقى السؤال المطروح اليوم داخل العواصم الأوروبية: هل ستظل أوكرانيا ساحة المواجهة الوحيدة بين روسيا والغرب، أم أن الكرملين سيحاول اختبار تماسك حلف الناتو في نقطة أخرى من أوروبا؟ سؤال لن يحدد إجابته مستقبل الحرب الأوكرانية فحسب، بل قد يرسم أيضاً ملامح الأمن الأوروبي لسنوات مقبلة.

أضِف ديلي بيروت إلى Google News لتتلقّى أحدث الأخبار أوّلاً.
مشاركة