العالم

رسمت الصين ملامح مرحلة جديدة في التنافس الجيوسياسي بالقطب الشمالي مؤخرًا، من خلال رحلةٍ بسفينة الحاويات Istanbul Bridge من ميناء نينغبو الصيني متجهة إلى ميناء فيلكستو البريطاني عبر الطريق البحري الشمالي الخاضع لسيطرة روسيا.
ونقل "جيمس تاون فاونديشن"، أن الرحلة التي استغرقت 20 يومًا فقط، أي نصف المدة المعتادة عبر قناة السويس، كشفت عمق التعاون المتنامي بين بكين وموسكو، لكنها في الوقت نفسه سلّطت الضوء على طموحات الصين الأبعد من مجرد مكاسب تجارية.
ويرى الخبراء أن موسكو تقدّم الطريق البحري الشمالي (NSR) بوصفه أقصر وأكثر الطرق استدامة لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا، غير أن الواقع أكثر تعقيدًا؛ فالمسار لا يكون صالحًا للملاحة سوى في الفترة بين يوليو-نوفمبر، ويتطلب أسطولًا من كاسحات الجليد، فيما يفتقر إلى بنية تحتية داعمة، ويبقى محاصرًا بعقوبات غربية تجعل استخدامه محفوفًا بالمخاطر، وحتى الخبراء الروس يعترفون بأن الطريق، رغم مزاياه الزمنية، يظل "شريانًا موسميًا" أكثر من كونه بديلًا فعليًا لقناة السويس.
بالنسبة للصين، الهدف ليس اقتصاديًا بحتًا؛ فبحسب محللين روس، استفادت بكين من عزلة موسكو الدولية لتوسيع وجودها في القطب الشمالي، وهو مجال كان حتى وقت قريب حكرًا على القوى القطبية التقليدية.
وفي هذا السياق تقول الخبيرة الروسية ماريا نيكيتينا إن "انخراط الصين في الطريق البحري الشمالي لم يكن ممكنًا لولا ضعف روسيا الحالي"، معتبرةً أن بكين تستغل لحظة تراجع موسكو لترسخ نفسها كشريك لا غنى عنه في مشاريع القطب الشمالي.
ورغم الحماس الصيني، لا تخلو المبادرة من خلافات كامنة؛ فبينما تُصِرّ موسكو على امتلاك القدرات الكاملة لتطوير القطب الشمالي بمفردها، تعمل بكين على تطوير كاسحات جليد نووية خاصة بها، وهي خطوة تراها موسكو محاولة ضمنية للانفصال عن وصايتها التقنية، كما أن تصريحات وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بأن روسيا "قادرة وحدها على تطوير أراضيها القطبية وتأمينها"، حملت في طياتها رسالة واضحة لبكين.
ومع أن الصين لا تمتلك وضعًا قانونيًا كدولة قطبية، فإن تحركاتها الأخيرة تؤكد أنها تعتبر الوصول إلى الشمال أولوية استراتيجية؛ فالممر الجديد ليس بديلًا لقناة السويس، لكنه قد يصبح مكمّلًا لها في المستقبل، خاصة إذا رُفعت العقوبات عن روسيا وتحسّنت الظروف المناخية.
ويعتقد مراقبون أن رحلة Istanbul Bridge لم تكن مجرد تجربة ملاحية، بل إشارة رمزية إلى انزياح موازين القوة في القطب الشمالي، حيث تسعى الصين إلى ترسيخ وجودها في منطقة لطالما اعتبرتها موسكو مجالًا حصريًا لنفوذها، وبينما تبدو العلاقة بين الطرفين ودّية اليوم، فإن تنافسهما المستتر على مفاتيح القطب قد يتحول في السنوات المقبلة إلى صراع صامت على النفوذ والتكنولوجيا والممرات التجارية.
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان
العالم