العالم

كشفت صحيفة "جيروزاليم بوست" العبرية عن وجود أدلة على أن إيران تعيد بناء صفوفها اعتماداً على "نخبة أمنية ثورية مخضرمة"، حسب وصفها، تجمع خبراتها المهنية بين القيادة التقليدية، وعمليات الاستخبارات، والحرب غير المتكافئة، وفرض الأيديولوجيا، وممارسة القمع الداخلي.
وأشارت الصحيفة إلى أن إيران تجري عملية إعادة هيكلة للتسلسل الهرمي العسكري والأمني، في وقت تكبدت فيه إيران خسائر بشرية فادحة، إلا أن ذلك لم يفرز تحولاً مماثلاً في عقيدتها الأمنية.
وسلط إرفان فارد المحلل والباحث في دراسات الشرق الأوسط وإيران، في مقال كتبه للصحيفة، الضوء على التحولات الأخيرة الجارية في إيران، أشار فيه إلى أن الأثر الاستراتيجي لاستهداف القيادات يعتمد في نهاية المطاف على مسألة أكثر تعقيداً: وهي ما إذا كانت إزاحة الأفراد تؤدي إلى تغيير المؤسسات والمنطق الاستراتيجي الذي أفرزهم.
وذكر فارد أن تغيير القيادة لا يعني بالضرورة تغيير النظام، كما أن تدمير مستوى قيادي معين لا يؤدي بالضرورة إلى القضاء على المنظومة المؤسسية القائمة تحته، لأن الأنظمة السياسية تعيد إنتاج ذاتها عبر المؤسسات والعقائد والشبكات والحوافز والذاكرة المؤسسية.
وتطرق فارد إلى التغييرات العسكرية التي شهدتها إيران مؤخراً، قائلاً إنه ينبغي تحليل التعيينات الإيرانية الأخيرة لا بوصفها مجرد سير ذاتية لقادة أفراد، بل كمؤشرات على المهام التي يرى النظام أنها الأكثر أهمية لبقائه.
وأكد أن التعيينات الأخيرة تشير إلى أن إيران تركز حالياً على تعزيز تماسك مؤسساتها؛ ومن ثم، فمن المرجح أن تكتسب المؤسسات الأكثر أهمية لضمان البقاء في ظل الصراعات الخارجية وعدم الاستقرار الداخلي - أي القيادة العسكرية، وأجهزة الاستخبارات، والحرس الثوري، وقوات الباسيج - ثقلاً سياسياً أكبر.
أسماء ومناصب
ورأى أن تعيين علي عبداللهي رئيساً لهيئة الأركان العامة يعكس أهمية الذاكرة المؤسسية؛ إذ ينتمي عبد اللهي إلى ذلك الجيل الأمني الثوري الذي برز مع نشأة الجمهورية الإسلامية ذاتها، حيث استهل مسيرته المهنية في المؤسسات الأمنية التي أُسست عقب ثورة عام 1979، وواصل عمله ضمن صفوف "الحرس الثوري الإسلامي" الذي كان قد شُكِّل حديثاً آنذاك.
واعتبر أن تعيين كيومارس حيدري نائباً لرئيس هيئة الأركان العامة يشير إلى تطور آخر، يتمثل في تقلص الفجوة المفاهيمية بين الدفاع عن الوطن والدفاع عن النظام؛ فقد سبق لحيدري أن وصف مشاركة القوات البرية للجيش في قمع احتجاجات نوفمبر/ تشرين الثاني 2019 بأنها مهمة "تدعو للفخر"، كما أشار لاحقاً -بلهجة تنم عن الازدراء- إلى المحتجين إبان اضطرابات عام 2022.
وأوضح الكاتب أن أهمية هذه التصريحات تكمن في الموقع المؤسسي الذي صدرت منه؛ إذ لطالما تمتع الجيش الإيراني النظامي بهوية تنظيمية تختلف عن هوية "الحرس الثوري" الذي يتسم بطابع أيديولوجي أكثر وضوحاً وصراحة. ومن ثم، فإن إدراج مهام الحفاظ على النظام الداخلي ضمن الهوية المهنية لكبار قادة الجيش يشير إلى تطور أوسع في طبيعة العلاقات المدنية-العسكرية في إيران.
وقال إنه من منظور النظرية السياسية، يعكس هذا التطور تمييزاً جوهرياً بين أمن الدولة وأمن النظام؛ فالدولة تمثل نظاماً سياسياً ومؤسسياً راسخاً ومستداماً، بينما يمثل النظامُ التشكيلةَ المحددة للسلطة التي تحكم تلك الدولة. وفي الأنظمة السياسية الراسخة، لا يُعد بقاء الحكومة مرادفاً لبقاء الدولة.
ومن وجهة نظر فارد، تساعد هذه الديناميكية في تفسير سبب ظهور هيكل القيادة الإيراني الجديد باعتباره موجَّهاً نحو الخارج والداخل في آنٍ واحد.
ويمثل تعيين أحمد وحيدي لقيادة "الحرس الثوري" الإيراني البعد الخارجي؛ وفقاً للكاتب، لافتاً إلى تدرج وحيدي في مسيرته المهنية عبر العمل الاستخباراتي وجهاز العمليات الخارجية الذي تطور لاحقاً ليصبح "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري حيث تضعه خلفيته المهنية في صلب التاريخ المؤسسي للاستخبارات الإيرانية، وحروب الجيل غير التقليدي، والعمليات الأمنية العابرة للحدود.
استراتيجيات وصراعات
وأوضح الكاتب أن الأهمية الاستراتيجية لتلك التجربة تتجاوز شخص القائد العسكري؛ فمنذ الحرب الإيرانية العراقية، طورت طهران أساليب لتعويض أوجه القصور في قدراتها العسكرية التقليدية من خلال توظيف قدرات غير متكافئة، بحسب الكاتب.
واعتبر أن شبكات الوكلاء والشركاء، والصواريخ الباليستية، والأنظمة غير المأهولة، وممارسة الضغوط البحرية، والعمليات الاستخباراتية، والحرب غير التقليدية، أتاحت للجمهورية الإسلامية تهديد خصوم يمتلكون قوة عسكرية تقليدية تفوقها بمراحل.
ووفقاً له، اكتسب هذا النهج الاستراتيجي أهمية خاصة في مواجهة إيران لأمريكا وإسرائيل؛ ولذا، فإن تعيين قادة تشكّلت مساراتهم المهنية في ظل هذه الثقافة الأمنية لا يقدم سوى أدلة ضئيلة على أن تعاقب القيادات قد غيّر من تصور طهران الجوهري لأي من الدولتين.
وبرأيه، تكشف عودة حسين طائب لقيادة قوات "الباسيج" عن الجانب المحلي لهذه الاستراتيجية، إذ شملت مسيرة طائب المهنية العمل في صفوف الحرس الثوري الإيراني، ووزارة الاستخبارات، ومجال مكافحة التجسس، فضلاً عن توليه مناصب عليا في جهاز استخبارات الحرس.
وتكتسب عملية تعيين طائب أهمية مؤسسية بالغة، نظراً لأن قوات "الباسيج" تعمل عند نقطة التقاء بين التنظيم العسكري، والتعبئة الأيديولوجية، والاختراق الاجتماعي، وأعمال المراقبة، والأمن الداخلي.
ويمنح وجود قوات "الباسيج" في الجامعات وأماكن العمل والأحياء والمؤسسات العامة وغيرها من قطاعات المجتمع الإيراني، هذه القواتِ دوراً يختلف جوهرياً عن دور قوات الاحتياط التقليدية؛ فهي توفر للنظام عمقاً تنظيمياً داخل النسيج المجتمعي.
ففي فترات الاستقرار، تدعم هذه البنية التحتية عمليات التعبئة الأيديولوجية والرقابة الاجتماعية، بينما يمكنها -في أوقات الاضطرابات- توفير المعلومات الاستخباراتية والقوى البشرية والقدرات الرقابية وأدوات القسر والإكراه.
ويشير تعيين شخصية ذات خبرة استخباراتية على رأس منظمة كهذه إلى أن عدم الاستقرار الداخلي يحتل حيزاً مهماً في تقييم النظام الحالي للمخاطر والتهديدات.
وعليه، يمكن فهم هيكلية القيادة الناشئة بوصفها بنية أمنية تعمل على جبهتين مزدوجتين؛ فعلى الصعيد الخارجي، تحتاج طهران إلى مؤسسات قادرة على ردع الولايات المتحدة وإسرائيل أو تكبيدهما أثماناً باهظة، وذلك رغم تراجع كفاءة بعض عناصر قوتها التقليدية وهيكلية قيادتها العليا.
أما على الصعيد الداخلي، فهي بحاجة إلى منظمات قادرة على رصد التحركات السياسية ومراقبتها وتفتيت قواها وقمعها قبل أن تتحول إلى تهديد وجودي. ورغم الاختلاف المؤسسي بين هذه المهام، إلا أنها تتقارب بشكل متزايد في ظل الرؤية الأمنية للنظام.
ديكتاتورية عسكرية تقليدية؟
وأكد فارد في مقاله أن هذا لا يعني أن إيران قد تحولت إلى دكتاتورية عسكرية تقليدية؛ إذ لا تزال المؤسسات الدينية، والبيروقراطيات المدنية، والشبكات الاقتصادية، والقوات المسلحة النظامية، والفصائل السياسية قائمةً وموجودة.
ونوه إلى مفارقة تتمثل في إظهار إيران قدرتها على استبدال كبار القادة مرونةً مؤسسية، حيث لم تؤدِ عمليات استهداف القيادة تلقائياً إلى انهيار تنظيمي، بل جرى سد الشواغر وإعادة بناء علاقات القيادة.
وأشار إلى أن هذا الأمر يعدّ تحذيراً مهماً للمخططين الدفاعيين في أمريكا وإسرائيل من مغبة المساواة بين نجاح عمليات "قطع الرأس" (استهداف القيادة العليا) وبين إلحاق هزيمة استراتيجية بالخصم.
ورأى الكاتب أن هوية البدلاء تكشف عن نقطة ضعف هيكلية محتملة؛ فبعد مرور ما يقرب من 5 عقود على الثورة، لا تزال طهران تعتمد بشكل كبير على جيل "ثوري-أمني" متقدم في العمر عند البحث عن أفراد يتمتعون بالخبرة الكافية، والموثوقية الأيديولوجية، والروابط المؤسسية، والجدارة بالثقة السياسية.
ومن وجهة نظره، رغم أن النظام يُظهر قدرةً على تجديد قياداته، إلا أنه يبدو وكأنه يستمد هذه القيادات من قاعدة سياسية ومهنية ضيقة نسبياً؛ ولذا، فإن الاستمرارية المؤسسية قد تكون في آنٍ واحدٍ مصدراً للمناعة والصمود، ودليلاً على الجمود.
وبالنسبة لأمريكا وإسرائيل، فإنّ المغزى الرئيسي هو ضرورة تجاوز تقييمات التدهور العسكري الإيراني لمعايير الخسائر القتالية. صحيحٌ أن عدد القادة القتلى، ومنصات إطلاق الصواريخ المدمرة، والمنشآت المتضررة، والوحدات المعطلة، أمورٌ مهمة من الناحية العملياتية، إلا أن التقييم الاستراتيجي يجب أن يتناول أيضاً إعادة بناء المؤسسات.
وطرح الكاتب عدة تساؤلات مفادها: "هل يستطيع النظام استعادة العلاقات القيادية؟ هل يستطيع الحفاظ على شبكات الاستخبارات؟ هل يستطيع إعادة بناء قدرات الوكلاء والشركاء؟ هل يستطيع الحفاظ على قدراته القسرية الداخلية؟ والأهم من ذلك، هل ستبقى العقيدة الاستراتيجية التي توجه هذه المؤسسات قائمةً بعد رحيل الأفراد الذين نفذوها سابقاً؟".
وكما يرى فارد، تشير الهيكلية القيادية الجديدة في إيران إلى أن الإجابة على السؤال الأخير هي "نعم" في الوقت الراهن؛ فمع أن الأشخاص قد تغيروا، إلا أن المنظومة الأمنية تواصل إفراز قادة صاغتهم البيئة المؤسسية العامة ذاتها. وتظل العداوة تجاه أمريكا وإسرائيل متجذرة في الثقافة الاستراتيجية للمؤسسات التي ينحدر منها هؤلاء القادة، في حين تواصل أجهزة الأمن الداخلي التابعة للنظام التعامل مع عدم الاستقرار السياسي بوصفه تهديداً وجودياً محتملاً.
العمل على جبهتين
ويحذر الكاتب من أنه لا ينبغي النظر إلى النظام الإيراني الناشئ باعتباره دليلاً على نجاح عملية تحوّل النظام، ولا كبرهان على فشل الضغوط العسكرية؛ فهو يمثل حالة أكثر تعقيداً، تتمثل في نظام أمني تسلطي يتكيف مع الاستنزاف مع سعيه في الوقت ذاته للحفاظ على منطقه الاستراتيجي الجوهري.
وذهب فارد في حديثه إلى أن طهران تعمل على إعادة بناء هيكلية قيادية قادرة على العمل على جبهتين: جبهة خارجية تشمل الردع والمواجهة غير المتكافئة والمنافسة الاستراتيجية، وجبهة داخلية تشمل المراقبة والسيطرة الأيديولوجية والإكراه.
ويتجاوز الدرس الأهم نطاق إيران؛ إذ يمكن أن تؤدي عملية "قطع الرأس" إلى إضعاف الخصم، لكن الأثر الاستراتيجي يعتمد على قدرة المؤسسات القائمة تحت تلك القيادة المستهدفة على تجديد نفسها. وفي حين أن القضاء على القادة قد يتيح فرصاً تكتيكية وعملياتية، فإن تغيير المنظومة السياسية والأمنية التي تواصل باستمرار إفراز بدائل للقيادة يمثل تحدياً مختلفاً تماماً وجوهرياً.
وخلص الكاتب إلى أنه بالنسبة لأمريكا وإسرائيل فإن الدلالة المترتبة على ذلك تبعث على التفكير الجدي والواقعي، مشيراً إلى أن المرحلة المقبلة من التنافس مع طهران لن تتحدد فقط بناءً على حجم ما دُمِّر من البنية التحتية العسكرية الإيرانية، بل ستعتمد على ما إذا كانت إيران لا تزال تمتلك القدرة المؤسسية على التجدد والتكيف ومواصلة تكبيد الخصوم أثماناً باهظة في الخارج، مع الحفاظ في الوقت ذاته على قبضتها السياسية في الداخل.



