العالم

تختبر سلسلة من صفقات الاستحواذ المرتقبة مدى استعداد أوروبا للسماح للمستثمرين الأمريكيين بامتلاك شركات دفاع وتكنولوجيا أوروبية، في وقت تسعى الحكومات إلى تعزيز السيادة على القطاعات الاستراتيجية وتقليل مخاطر فقدان السيطرة على صناعات حيوية.
وتبرز شركة "روبن رادار" الهولندية، المتخصصة في أنظمة رصد الطائرات المسيّرة، كأحد أبرز الاختبارات المقبلة، إذ أفادت مصادر مطلعة بأن شركة "باركوم"، المالكة لها، تحاول تجنب تقدم شركات تصنيع الأسلحة الأمريكية بعروض للاستحواذ، خشية مواجهة اعتراضات حكومية محلية، بحسب "فايننشال تايمز".
وتعمل "باركوم" مع مستشار لإطلاق عملية بيع خلال الأشهر المقبلة، وتسعى للحصول على ملياري دولار أو أكثر مقابل الشركة، مع تفضيل مستثمر استراتيجي أوروبي أو شركة أسهم خاصة أوروبية لتقليل مخاطر التدخل السياسي.
ويأتي ذلك في وقت تكثف بروكسل والحكومات الأوروبية تدقيقها في صفقات الاندماج والاستحواذ، خصوصًا عندما تتعلق بأصول استراتيجية في قطاعات الدفاع والتكنولوجيا والطاقة.
وبحسب عدد من كبار مستشاري الصفقات، أصبح التواصل مع الحكومات والجيوش يتم في مراحل أبكر من السابق، بهدف مناقشة القضايا الحساسة المرتبطة بالأصول الدفاعية المعروضة للبيع.
كما يحاول الملاك والمستثمرون المحتملون تقديم ضمانات تتعلق بالحفاظ على الوظائف والتكنولوجيا داخل أوروبا، لتجنب إجراءات مراجعة الاستثمار الأجنبي المباشر المطولة أو احتمال رفض الصفقات.
وفي مايو، منعت الحكومة الهولندية شركة "كيندريل" الأمريكية من الاستحواذ على شركة "سولفينيتي" المتخصصة في الحوسبة السحابية، والتي توفر نظام الهوية الرقمية في هولندا وتدير معلومات مرتبطة بالضرائب والرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية للمواطنين.
وكانت تلك المرة الأولى التي يمنع فيها مكتب فحص الاستثمارات الهولندي عملية استحواذ أمريكية منذ تأسيسه عام 2020.
وقالت ديانا ديميتروفا، رئيسة قسم الطيران والدفاع في شركة "بي سي جي" بالمملكة المتحدة، إن رسالة الحكومات الأوروبية أصبحت أكثر وضوحًا، وتتمثل في ضرورة بناء القدرات داخل أوروبا والإبقاء عليها هناك، مشيرة إلى أن القضية لا تتعلق بالدفاع وحده، بل أيضًا بالوظائف وسلاسل التوريد والسيطرة على القاعدة الصناعية الأوروبية.
ويقول أحد خبراء الصفقات إن عددًا من الشركات الناشئة في قطاع تكنولوجيا الدفاع التي تفكر في بيع أعمالها أبلغت مستشاريها بأنها لن تبيع إلا لمستثمرين أوروبيين، لتجنب احتمال خسارة عقود حكومية رئيسية.
لكن هذا التوجه يحمل تكلفة محتملة للبائعين، إذ قد يعني رفض العروض الأمريكية الحصول على تقييمات أقل. وأوضح الخبير أن بعض البائعين يريدون الحصول على رأس مال أوروبي وفق تقييمات مماثلة للتقييمات الأمريكية، لكن هذا الأمر لا يتحقق دائمًا.
ولا تقتصر الاختبارات على "روبن رادار"، إذ توجد مجموعة من الأصول الدفاعية الأوروبية الأخرى المعروضة للبيع أو التي تخضع لمراجعات استراتيجية، ويمكن أن تواجه بدورها مسألة السماح بملكية أمريكية.
وتستعد شركة الأسهم الخاصة البريطانية المدرجة "بريدج بوينت" لبيع شركة "ماي ديفنس" الدنماركية المتخصصة في كشف وتشويش الطائرات بدون طيار، في صفقة قد تبلغ قيمتها نحو مليار دولار.
كما تجري شركة "أدفانسد بروتكشن سيستمز" البولندية، المتخصصة في مكافحة الطائرات بدون طيار، مراجعة استراتيجية تشمل احتمال البيع، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر.
وتُعد "أدفانسد بروتكشن سيستمز" جزءًا رئيسيًا من خطط بولندا لبناء منظومة دفاع جوي مضادة للطائرات المسيّرة، وُصفت بأنها الأكبر في أوروبا، في أعقاب انتهاكات روسيا للمجال الجوي لدولة عضو في حلف شمال الأطلسي.
وأضيفت الشركة مؤخرًا إلى قائمة الشركات الاستراتيجية في بولندا، ما يمنح الحكومة صلاحية منع أي عملية بيع.
ورداً على سؤال بشأن احتمال بيع الشركة، قال الرئيس التنفيذي ماكيج كليم إن "أدفانسد بروتكشن سيستمز" تحلل فقط خيارات مختلفة لمزيد من النمو، وتسعى إلى أن تصبح شركة أوروبية رائدة في مجال مكافحة الطائرات بدون طيار.
ويأتي تصاعد الاهتمام بهذه الشركات في ظل زيادة أهمية الطائرات المسيّرة وأنظمة مواجهتها بالنسبة للجيوش والمصنعين والمستثمرين، بعدما دفعت الصراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط هذه التقنيات إلى صدارة الحرب الحديثة.
وتُعد "روبن رادار" مثالًا على التحول السريع في هذا القطاع. فقد بدأت الشركة، التي تنتمي إلى جيل جديد من شركات الرادار قصيرة المدى ذات التكلفة المنخفضة نسبيًا، في اكتشاف الطيور، قبل أن تغير توجهها نحو الطائرات بدون طيار عام 2014.
ومنذ ذلك الحين، حصلت الشركة على مجموعة من العملاء في أوروبا والولايات المتحدة، كما زودت أوكرانيا بأنظمة رادار.
وفازت "روبن رادار" بعقود متعددة مع الحكومة الهولندية، من بينها طلبية لتوريد 100 جهاز من رادارات "آيريس" المخصصة لكشف الطائرات المسيّرة.
كما وسعت الشركة نشاطها في الولايات المتحدة، وافتتحت الشهر الماضي مركز عمليات أكبر في شمال ولاية فرجينيا، بعدما ارتفعت مبيعات رادارات "آيريس" بنسبة 75% خلال الأشهر الستة الأولى من العام.



