العالم

شهدت كوريا الجنوبية ليلة من الاضطراب السياسي قلبت استقرارها وأرسلت موجات قلق إلى عدد من العواصم، في لحظة تشهد توترًا عالميًا شديدًا.
أعلن الرئيس الكوري الجنوبي، يون سوك يول، الأحكام العرفية ليلة الثلاثاء، في مرسوم مفاجئ سرعان ما تم التراجع عنه بعد ساعات، نتيجة معارضة كاسحة من مختلف الأطياف السياسية، إذ اعتُبر خرقًا خطيرًا لديمقراطية البلاد النابضة.
الخطوة التي بررها يول بأنها ضرورة «لإنقاذ البلاد من قوى معادية للدولة» تحاول «تدمير النظام الدستوري للديمقراطية الليبرالية»، قوبلت باحتجاجات في سول وتصاعد الدعوات المطالبة باستقالته.
صدمة لواشنطن
التطورات الصادمة بدت وكأنها باغتت واشنطن، وهو واقع مثير للقلق بالنسبة للجيش الأميركي، الذي يحتفظ بنحو 30 ألف جندي في كوريا الجنوبية، بالإضافة إلى أكبر قاعدة له في الخارج، للردع ضد كوريا الشمالية وللوقوف كقوة مضادة للصين في منطقة استراتيجية بالغة الأهمية، حسبما جاء في تقرير لموقع «سي إن إن» الأميركي.
تلك الاضطرابات قد تحمل تداعيات كبيرة في وقت تتعمق فيه الانقسامات الجيوسياسية في آسيا، حيث تعزز كل من كوريا الشمالية والصين تحالفاتهما مع روسيا التي تخوض حربًا ضد أوكرانيا.
في ظل تلك الأحداث، أعرب متحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي عن «الارتياح» بعد تراجع يون عن قراره، مؤكدًا أن «الديمقراطية هي الأساس» في التحالف الأميركي-الكوري الجنوبي.
رغم تأكيدات أميركية بأن التحالف «راسخ كالصخر»، يرى المراقبون أن خطوة يون المفاجئة قد تلقي بظلال من الشك على الشراكة، وتضعف تنامي التعاون بين اليابان وكوريا الجنوبية.
وقد أشار البعض إلى أن هذه الخطوة تضيف عنصرًا آخر من عدم اليقين قبيل عودة الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترمب إلى البيت الأبيض، المعروف بتشكيكه في الترتيبات المالية بين أميركا وكوريا الجنوبية بشأن استضافة القوات الأميركية.
«تداعيات كبرى»
يُنظر إلى التحالف الأميركي-الكوري الجنوبي، من قبل كلا البلدين، على أنه حجر الزاوية للسلام في المنطقة، حيث تواصل كوريا الشمالية تهديد كوريا الجنوبية والولايات المتحدة ببرنامجها النووي.
وقد زادت تلك التهديدات حدةً مع تعزيز كوريا الشمالية شراكتها مع روسيا، إذ تزود موسكو بالذخيرة والصواريخ والجنود لدعم حربها في أوكرانيا، وفقًا لمسؤولين استخباريين.
يقول العقيد الأميركي المتقاعد سيدريك لايتون لشبكة سي إن إن «أي عدم استقرار في كوريا الجنوبية له تداعيات كبرى على سياساتنا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ».
وأشار إلى أن القوات الأميركية في البلاد جاهزة دائمًا لـ«القتال الآن» ضد كوريا الشمالية. وأضاف «كلما قل الاستقرار في كوريا الجنوبية، أصبح من الصعب علينا تحقيق أهدافنا السياسية».
عمل الرئيس الأميركي جو بايدن بجد خلال فترة ولايته لتعزيز الشراكة الأميركية-الكورية الجنوبية، حيث التقى يون عدة مرات، واصفًا إياه بـ«الصديق العظيم». كما نقل بايدن «قمة الديمقراطية»، المبادرة التي أطلقها في 2021، هذا العام إلى كوريا الجنوبية.
وقد نجح بايدن، خلال قمة كامب ديفيد عام 2023، في تعزيز التنسيق الثلاثي بين أميركا وكوريا الجنوبية واليابان، متجاوزًا عقبات تاريخية من عدم الثقة بين الحليفين الآسيويين.
صراع القوى العظمى
من المرجح أن يراقب قادة بيونغيانغ وبكين وموسكو التطورات في سول باهتمام، لما قد تحمله من تأثير على ركيزة أساسية للنفوذ الأميركي في المنطقة.
وتتجه الأنظار الآن إلى كوريا الشمالية، إذ تفتح التطورات الأخيرة فرصة أمام زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون لاستغلال الفوضى.
ويُعرف الزعيم الكوري الشمالي باختيار لحظات سياسية مناسبة لإجراء اختبارات أسلحة كبرى، كما فعل بإطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات قبل أيام من الانتخابات الرئاسية الأميركية الشهر الماضي.
كما تتابع بكين وموسكو التطورات السياسية في كوريا الجنوبية عن كثب، خاصة مع الاحتمال القائم لتغيير القيادة في البلاد، حيث تعارضان بشدة الوجود العسكري الأميركي في آسيا.
إذ أظهرت الصين، بقيادة شي جين بينغ، استياءً متزايدًا من تعزيز الولايات المتحدة لشراكاتها مع حلفائها في المنطقة، في ظل قلق واشنطن المتزايد من تهديدات بكين وتنسيقها الأمني العميق مع موسكو.
وعلى الجانب الآخر، كان الرئيس الكوري الجنوبي، يون سوك يول، شريكًا ثابتًا للولايات المتحدة، واتخذ موقفًا أكثر صرامة تجاه كوريا الشمالية مقارنة بأسلافه.
كما اقترحت حكومة يول أن نشر قوات كورية شمالية في أوكرانيا قد يجبرها على إعادة تقييم مستوى الدعم العسكري الذي تقدمه لكييف، والذي لا تقوم بتوريد أسلحة فتاكة لها بشكل مباشر.
كل ذلك يزيد من الرهانات الدولية للحظة السياسية الحالية، بغض النظر عن نتائجها بالنسبة ليول.
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان