اقتصاد

باغَتَ الدولار الأميركي أسواقَ المبادلات النقدية في لبنان، بتقلّباتٍ لا تخلو من الحدة في يوميْ عطلة نهاية الأسبوع، دفعتْه مجدداً إلى عتبة المئة ألف ليرة، ليستعيد معها حضورَه المقرِّر لوجهةِ الانحدار وسرعته بعد استراحةٍ مع استقرارٍ «مصطنَع» دام أقلّ من 4 أشهر، وتَحقَّقَ بفعل التدخل المفتوح من البنك المركزي لبيع العملة الخضراء عبر منصّة صيرفة بسعر 85 ألفاً و500 ليرة، نظير سعرٍ كان يُناهِز 92 ألف ليرة في الأسواق غير النظامية.
ورغم وضوحِ بعض حيثيات ارتفاع الطلب المفاجئ على الدولار النقدي لدى الصرّافين وتجّار العملات من شركة خاصة تسلّمت حديثاً مستحقات متراكمة بالليرة لقاء عقود مبرَمة مع الدولة، فقد كشفت معطياتُ الساعات الماضية هشاشةَ «الاستقرار» السائد من جهة، والارتفاعَ المضطرد في منسوب الهواجس من إعادة انتعاش محفزاتِ المضاربات على العملة الوطنية من جهةٍ موازية.
وبرزت في هذا السياق، مسارعة «بنك بيروت» إلى نفي إشاعات عن تدخله في السوق شارياً الدولار وما تَسَبَّبَ به ذلك من بلبلةٍ ما لبثت أن هدأت، وهو أكد في بيان له «أن ما جرى لا ينطبق وفحوى ما يجري تداوله، ذلك أن بعض مستحقات المقاولين تم الإفراج عنها من السلطة المعنية، وقمنا بالفعل بتسديدها لهم بالعملة الوطنية، فسارع بعضهم إلى شراء الدولار الأميركي بقيمتها، الأمر الذي سبّب اختلاطاً في الوقائع عند الناشطين».
وظهر في وقائع الرصد الميداني الذي أجرتْه «الراي» مع ناشطين في أسواق المبادلات ومع مديرين معنيين بإدارة عملياتِ قَطْعٍ في عدد من البنوك أن الغموضَ المستمر الذي يكتنف ملف إدارة المرحلة التالية لانتهاء الولاية القانونية لحاكم البنك المركزي رياض سلامة في 31 الجاري، تَكَفَّلَ بتوليد تقديراتٍ متباينة الى حدود التناقضِ في ما خص الخلاصات في شأن مصير منصة «صيرفة» رَبْطاً بما ستستقرّ عليه «المعالجة» الحكومية النهائية للشغور القريب في مركز القرار النقدي.
وزاد في كثافة الضبابية التمادي المشهود في تأخير حسْم مآلات «خلافة» الحاكم، في موازاة التردّد الصريح والمصرّح به من نوابه الأربعة في قبول حمل المهمات وأثقالها سنداً إلى الخيار التلقائي الوارد في المادة 25 من قانون النقد والتسليف، والقاضي بترقية النائب الأول وسيم منصوري (شيعي) إلى موقع الحاكم (الماروني)، والاستئناس بالتجربة المنجَزة قبل أشهر قليلة والتي قضتْ بتبوؤ الياس البيسري (الماروني) موقع المدير العام للأمن العام بالإنابة بعد بلوغ اللواء عباس إبراهيم (الشيعي) سنّ التقاعد من دون تعيين خلَف أصيلٍ له في ظل الشغور الرئاسي.
وريثما تصحو الحكومة المستقيلة من «قيلولة» طويلةٍ يتعمّدها رئيسها نجيب ميقاتي بسبب احتدام الخلافات الداخلية حول مهماتها وحدود صلاحياتها والتصنيفات للقضايا الداهمة والواقعة في خانة «تصريف الأعمال»، لا تبدو الأجواء مشجعةً، بحسب مسؤول مصرفي معني ومتابع، في ردهات وزارة المال والبنك المركزي للمضيّ باعتماد الخيار القانوني المتاح لإنجاز عملية انتقالٍ «آمنة» للموقع والمَهمات من سلامة إلى منصوري.
بل ثمة أجواء عن مناخاتٍ مهيأة لهبوب «عاصفةٍ» محتملة من نواب الحاكم أنفسهم، فضلاً عن التعقيدات الطائفية والإجرائية القائمة أساساً والمرتبطة في شكل وثيق بملف انتخاب رئيس جديد للجمهورية وهو الموقع الشاغر منذ مطلع نوفمبر الماضي.
وفي معلومات «الراي» المستقاة من ردهتيْ المالية والحاكمية، وفق المسؤول المصرفي، فإن النواب الأربعة، وهم على التوالي بعد منصوري، بشير يقظان (درزي) وسليم شاهين (سنّي) وألكسندر موراديان (أرمني) بصدد عقد اجتماع مفصلي اليوم، ويرجَّح استتباعه باجتماعات مفتوحة، توخياً لتَوافُقٍ «بالإجماع» على وضع خريطة طريق واضحة المعالم لارتضاء إدارة القرار النقدي وتوابعه في المرحلة الانتقالية، على أن تتضمّن التزاماتٍ مقابلةً من السلطتين التنفيذية والتشريعية للتغطية والمسانَدة عبر حزمةٍ من الموجبات الكفيلة بتحقيق تَشارُكية حقيقية بين السلطات كافة في تحمُّل المسؤوليات والأعباء.
وتتوافق التسريباتُ الصادرةُ عن مكاتب نواب الحاكم - ومن دون حظوظٍ للصدف في توحيد مواقفهم وتطلعاتهم - على أولوية إنعاش الشروط الإصلاحية للانخراط الموسَّع والمنسَّق في إدارة الشأنيْن المالي والنقدي في مرحلةٍ انتقالية حساسة تزخر بتراكماتِ انهياراتٍ جسيمة تتوالى فصولُها ومن دون هوادة منذ ما يقارب 4 أعوام.
وهذه المستلزمات وردت بوضوح في مندرجات الاتفاق الأولي مع بعثة صندوق النقد الدولي والذي مضى نحو 15 شهراً على إبرامه من دون تسجيل أي استجابةٍ لموجباته من السلطات اللبنانية.
وبرز في هذا الإطار، اختيار النائب الثالث للحاكم (سليم شاهين) لمنصة صحيفة «الفاينانشال تايمز» لمشاركة «الرأي العام» بهواجس الفريق الرباعي الذي سيقود السلطة النقدية، سواء بصلاحيات الحاكم التي ستنتقل الى النائب الأول (منصوري) أو بمهمات المجلس المركزي الذي يشكل النوابُ قوامه المتفرّغ إلى جانب عضوية مدير عام وزارة المال ومدير عام وزارة الاقتصاد. علماً أن مركز مفوّض الحكومة لدى البنك المركزي مشغول بالتكليف أيضاً، بعد استقالة كريستيل واكيم عقب حصولها على فرصة عمل في فرنسا.
وفي مقابلته، يشير شاهين إلى الفشل المشهود للحكومة في التزام برنامج الإصلاحات المنشودة، وفي مقدّمها إقرار موازنة 2023، وإقرار نهائيّ لمشروع وضع ضوابط استثنائية على السحوبات والتحويلات (كابيتال كونترول)، وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، ليؤكد بالتالي تَعَذُّر نجاح أي إجراءات نقدية من دون سياساتٍ داعمة من السلطة التنفيذية.
ثم لمّح الى الاعتراض على الاستمرار بالآليات الحالية لمنصّة «صيرفة»، وبالرفض «المكنون» لدى نواب الحاكم لمجمل الإجراءات والتعاميم الطارئة التي صدرت عن الحاكمية.
فيما كان شاهين نفسه تحدث لوكالة «رويترز» قبْلها، منذراً باستقالةٍ جَماعية للنواب في حال عدم تعيين حاكم جديد لمصرف لبنان بعد انقضاء ولاية سلامة نهاية الشهر، وهو ما راوحت قراءته بحال حصل بين كونه سيجرّ إلى تكليفهم بالاستمرار في تسيير المرفق العام لوحدهم، أو من ضمن سيناريو «خفي» يشمل أيضاً الحاكم عبر ما يشبه التمديد الاضطراريّ «الإداري» أو التقني، وربما تكون «الهَبّاتُ الساخنة» للدولار في سياق إعداد «الأرضية» له.
الراي
اخبار لبنان
اخبار لبنان
اخبار لبنان
كرة القدم