ثقافة ومجتمع

يبقى موضوع الفارق العمري بين الرجل والمرأة في العلاقات العاطفية والزواج من أكثر المواضيع إثارة للجدل، خصوصًا في المجتمعات العربية. فكثيرًا ما يُطرح السؤال: لماذا تختار بعض النساء رجلاً يكبرهن عمرًا بعشر سنوات أو أكثر؟ هل السبب مادي بحت؟ أم أن هناك جذورًا أعمق نفسية وبيولوجية لهذا الانجذاب؟

دراسة أجرتها جامعة "هلسنكي" الفنلندية عام 2018، شملت أكثر من 12 ألف امرأة، كشفت أن 40% من النساء فضّلن شريكًا أكبر منهن بخمس سنوات أو أكثر.
وفي تقرير نشرته مجلة Psychology Today عام 2021، تبيّن أن النساء غالبًا ينجذبن إلى الرجل الأكبر عمرًا بسبب ما يمنحه من شعور بالأمان والاستقرار النفسي والمادي.
أما في استطلاع عربي أُجري في كل من لبنان، الأردن ومصر عام 2022، فأكدت 55% من النساء أن الرجل الأكبر يمنح شعورًا بالثقة والطمأنينة، مقارنة بالرجال الأصغر سنًا.

علماء النفس يشيرون إلى أن المرأة تبحث بالدرجة الأولى عن النضج العاطفي والقدرة على إدارة العلاقة بذكاء.
تقول الدكتورة "ليلى عبد القادر"، أخصائية علم النفس الأسري:
"المرأة التي تبحث عن الاستقرار تميل غالبًا إلى اختيار رجل مرّ بتجارب حياتية جعلته أكثر هدوءًا وقدرة على احتواء المواقف. الرجل الأكبر سنًا عادة أقل اندفاعًا وأكثر قدرة على الاستماع والتفهّم."
كما أوضحت دراسة نُشرت في Journal of Social Psychology عام 2020 أن الأزواج الذين يفوق عمر الرجل زوجته بخمس سنوات على الأقل تقل لديهم النزاعات بنسبة 20% مقارنة بالأزواج المتقاربين جدًا في العمر.
من الناحية البيولوجية، يرى بعض الباحثين أن انجذاب المرأة للرجل الأكبر مرتبط بآليات تطورية قديمة، حيث كانت النساء في الماضي يفضّلن الرجال الأكبر والأقوى، القادرين على تأمين الموارد والحماية.
دراسة في جامعة "كامبريدج" عام 2019 دعمت هذا التفسير، مؤكدة أن النساء ينجذبن لا شعوريًا إلى مؤشرات النضج والاستقرار، لأنها مرتبطة تاريخيًا ببقاء الأسرة والأطفال.
لا يمكن إنكار أن الجانب الاقتصادي يلعب دورًا في بعض الحالات. فالرجل الأكبر غالبًا يكون قد وصل إلى مرحلة من الاستقرار المهني والمالي تجعله أكثر قدرة على بناء أسرة.
لكن الخبراء يؤكدون أن الأمر ليس ماديًا بحتًا. ففي دراسة أجرتها جامعة "ميتشيغان" الأمريكية عام 2021، قالت 67% من النساء اللواتي اخترن رجالًا أكبر عمرًا إن السبب لم يكن المال بل الأمان العاطفي والدعم النفسي.
الكثير من النساء اللواتي اخترن رجالًا أكبر يصرحن أن السبب الأساسي كان الشعور بالاحتواء والجدية. تقول "سارة"، شابة لبنانية تبلغ من العمر 27 عامًا متزوجة من رجل يكبرها بـ12 سنة:
"وجدت فيه رجلًا يعرف ماذا يريد من الحياة. لم أكن أبحث عن المال، بل عن شريك ناضج يفهمني ويمنحني الأمان."
بالرغم من كل هذه التفسيرات، لا يمكن اعتبار فارق العمر ضمانة أكيدة لنجاح العلاقة. فالنجاح يعتمد على التفاهم، الحب، والقدرة على التواصل، أكثر من اعتماده على الأرقام.
خبراء العلاقات يؤكدون أن بعض النساء قد يشعرن لاحقًا بأن الفارق العمري الكبير يخلق فجوة في الاهتمامات ونمط الحياة. لذلك، يبقى التوازن هو المفتاح.
الانجذاب للرجل الأكبر عمرًا ليس مجرد "موضة" أو بحث عن المال، بل هو مزيج معقد من العوامل النفسية، البيولوجية، والاجتماعية.
قد يكون النضج العاطفي والاستقرار النفسي هما العاملان الأكثر بروزًا، لكن يبقى العامل الأهم في نهاية المطاف هو الحب الحقيقي والتفاهم العميق بين الطرفين.
ويبقى السؤال: في زمن تتغير فيه أدوار الرجل والمرأة بسرعة، هل سيبقى الانجذاب للرجل الأكبر ظاهرة شائعة، أم ستتغير معايير الاختيار مع الأجيال الجديدة؟



