اقتصاد

تشهد أسواق القهوة العالمية واحدة من أعنف موجات الارتفاع السعري منذ عقود، بعدما قفزت الأسعار بنحو 95% خلال عام واحد وفق بيانات «المنظمة الدولية للقهوة» (ICO)، الأمر الذي أعاد تسليط الضوء على الاختلالات العميقة التي تحكم واحدة من أهم السلع الإستراتيجية في العالم بعد النفط.
وبينما تُزرع القهوة في مناطق فقيرة تواجه ضغوطاً مناخية وارتفاعاً في تكاليف الإنتاج، تُباع بأسعار مضاعفة في الأسواق الغنية التي تحتكر عمليات التحميص والتعبئة وصناعة العلامات التجارية، ما يجعل الفجوة بين المنتج والمستهلك أوسع من أي وقت مضى. ويصف خبراء هذه الفجوة بأنها شكل جديد من «الاستعمار الاقتصادي» يضمن تدفق الثروة باتجاه الدول المستهلكة على حساب المزارعين.

وتعتمد الأسعار العالمية للقهوة على العقود المستقبلية في البورصات الدولية، حيث تتحكم التوقعات المناخية وسعر الدولار في اتجاهاتها، بعيداً عن تكلفة الجهد الزراعي أو جودة المحصول. وترى إرمينيا نوداري، عضو مجلس الخبراء في «التحالف العالمي للقهوة المستدامة»، أن السوق الحالية «لا تكافئ المنتجين وفق جودة عملهم، بل وفق مضاربات لا يمكنهم التأثير فيها».
وتدعو نوداري إلى إعادة ربط القهوة بمنطق الإنتاج الزراعي العادل، بحيث تعتمد تسعيرتها على الاستدامة وشفافية سلسلة التوريد، وليس على حركة الأسواق اليومية.
أمام هذا الواقع، تبرز حركة «القهوة المتخصصة» كاتجاه عالمي جديد يصحح الخلل التاريخي في سلسلة القيمة، عبر ربط المزارع مباشرة بالمحمصين والمستوردين، وتبني ممارسات زراعية مستدامة مثل الزراعة بالغابات (Agroforestry). ويهدف هذا النموذج إلى تحويل المزارع إلى شريك في صناعة المنتج النهائي، لا مجرد مورد خام يتأثر بتقلبات السوق المالية.

ورغم أن ارتفاع الأسعار منح المزارعين في دول مثل إندونيسيا متنفساً مالياً بعد سنوات من الضغط، إلا أن شركات كبرى استغلت الأزمة في المنطقة المكسيكية لشراء المحصول مباشرة من الحقول، ما قلّص مكاسب صغار المنتجين وعمّق هشاشتهم أمام التقلبات.
في المقابل، نجحت تعاونيات صغيرة في أميركا اللاتينية في تحسين شروط البيع من خلال عقود مشتركة تقلل المخاطر وتحافظ على الحد الأدنى من العائد.
وتواجه الدول العربية تحديات مشابهة، إلا أنها تمتلك فرصاً جوهرية في سوق القهوة، خصوصاً في اليمن، مهد البن العالمي. وتشهد البلاد نهضة تدريجية تعتمد على خطط وطنية لرفع الإنتاج وتحسين جودة السلسلة التصديرية، مع رهان متزايد على التحميص المحلي لزيادة القيمة المضافة.
وبحسب «المنظمة الدولية للقهوة»، يبقى المزارعون العرب من الأكثر عرضة لتقلب الأسعار العالمية، ما يدفع بعض التعاونيات اليمنية إلى توقيع عقود طويلة الأجل مع محامص آسيوية وأوروبية لضمان دخل مستقر.
وتشير تقديرات «الفاو» و«المنظمة الدولية للقهوة» إلى ارتفاع كلفة الإنتاج العالمي للقهوة بنسبة 40% خلال عامين بسبب الجفاف وندرة المياه، ما يضع الدول العربية المنتجة أمام تحديات مناخية خطيرة.
ورداً على ذلك، أطلقت مبادرات دولية مشاريع لتأهيل المدرجات الزراعية التاريخية في اليمن والمغرب وتدريب المزارعين على تقنيات مقاومة المناخ، باعتبارها أحد أهم أدوات الحفاظ على الإنتاج في العقود المقبلة.